عصامية الوحيشي

بعدن الكوزموبوليتينية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

               د. أحمد سالم الوحيشي          

 

 

 

 

 

الاهداء

 

الى والدي الحاج سالم صالح الوحيشي تغمده الله برحمته والذي تُوفِّيَ وانا في الديار البعيدة خارج الوطن.

 

 

 

 

د. أحمد سالم الوحيشي

 

 

 

 

العائلة التي نشأ فيها الحاج سالم صالح الوحيشي هي عائلة عربية كمعظم العائلات العربية الطيبة والبسيطة، في جنوب غرب الجزيرة العربية. الجهل والمرض عنوانها، وكذا حال الفقر والقهر والرعب من مستقبل مجهول من الممكن أن يحمل الكثير من الويلات والآهات، مصير لا يعرفه إلا خالق الكون الواحد الأحد. نعم مصير مجهول لكل من يعيش في تلك الفترة تحت أكثر من معاناة، من التخلف في الريف واحتلال المستعمر لكل من ينطق بلغة الضاد، اللغة العربية.

باختصار احتلال من الأجنبي وبالتحديد الاستعمار البريطاني في عدن. والعادات والتقاليد التي عـفـى عـنها الزمان، بسبب النظام المتخلف في الريف الذي أراد آنذاك ان يبقى البلد متخبطاً على غرار ما كانت عليه في القرون الوسطى، في هذا الوقت ولد وترعرع الحاج سالم في بداية القرن العشرين.

عائلة تحب الحياة كسائر البشر، تحب الحياة بالرغم من قساوتها وخاصة في ذاك الزمان المليء بالقهر في تلك الفترة اللعينة بالذات، والتي يصبح فيه الإنسان ضحية لمجرد إبداء رغـبته في العيش بكرامة وحرية، فقط العيش بشكل أنساني، مليئة كانت معدته أم فارغة، المهم إنسان يشعر بطعم الحرية في زمن سيء وعقيم كذاك الزمن، زمن صعب لم يكن سببه المعاناة من الاحتلال الأجنبي فقط، وإنما القهر من قبل المحلي القبلي كذلك.

في ظل الصراعات السياسية والقبلية العشائرية، تمكن القادم من بعيد من ان يدنس اقـدامـه على هذه الأرض الطاهرة، وبسط سيطرته على أهاليها الذين يرزحون تحت نير احتلاله الذي يغـذي خلافـاتـهـم.

عائلة تكدح منذ شروق الشمس وتستكين بغروبها وما بين الشروق والغروب مستمرة في معركة الوجود (تكون أو لا تكون) والمعركة هذه غير متكافئة على أرض مكبلة بقيود الاستعمار والاستبداد الاجتماعي، ارض لا مكان للحرية فيها وأهلها أصبحوا مهاجرين من قسوة القمع والمعاناة.

هذا هو حال البلد آنذاك قليل من أهله متخم بما لذا وطاب وكثيرهم لا يعرف طعماً للحياة والعيش بكرامة مشغولون بالبحث الدائم عن لقمة العيش علها تساعدهم في الاستمرار بالوجود يوماً اخر بالرغم من الظلم والقهر الذي كان يتربص بهم في تلك الفترة العصيبة والتي أذاقت الناس الآمرين.

بالطبع الشعوب العربية الاخرى ايضاً تـرزح تحت نير الاحتلال والاستعمار ولم تــكــن أفضل حالا من شعــوب الجزيرة العربية، حيث كان عنوان هذا الاحتلال الظلم والاستبداد وعدم الاعتراف بالحقوق، فما بالك إذا كان الحديث يدور عن الازدهار العربي، إذ كان الاستعمار يحكم البلاد والعباد بقسوة وبقبضة من فولاذ، وكان الوطن العربي في تلك الفترة بمعظمه من البحر إلى البحر يرزح تحت نير هذا الاحتلال والاستعمار بكل تداعياته ومفرداتـــه.

هذا هو حال عائلتنا العربية، عائلة صالح الوحيشي والمؤلـفـة من الاب والأم وخمسـة أبناء منهم الابن سالم وأخت أرمل لها ولدين وبنت، يعيشوا حالــة فـقـر وجـوعاً وبطالـة وقـهـر وظلم وقـمـع.

صالح الوحيشي رب العائلة ..... تائه، حائر، قلق، خائف على الدوام من يوم غد، تـائــه وحائر لأنه لم يقدر على فعل شيء: لتحسين وضع عائلته أو على الأقل ليطعمها وليهدئ الامعاء الخاوية لأطفاله الخمسة والتي تسبب لهم ألماً على مدار الساعة، وليغير سحنة وجوههم ذات اللون الأسمر المشوب بالاصفرار وعيونهم التي انزلقت إلى الوراء من الجوع والمرض، الزائغة من المستقبل المجهول الذي ينتظرهم في هذا الزمن الغدار الذي تعيشه عائلتهم والكثير من العائلات الأخرى.

 

يروح ويجي في بيته الطيني في  ريف نائيٍ يـفـتـرش وعائلته  الأرض ويلتحفون السماء، لا يعرف صالح الوحيشي طعماً للنوم بسبب القلق الذي يساوره على مدار الساعة يلقى نظرة سريعة على أولاده الخمسة،  يؤلمه هذا المنظر ، هياكل عظمية متحركة  والحزن يخيم على وجوهـهـم ، عيون جامدة وأفواه جائعة ، ومعدة خاوية بانتظار الفرج القادم، يلقي صالح الوحيشي نظرته هذه  ويغادر المنزل إلى أين لا يعرف يتجه قاصدً الجبال ليقضي كامل نهاره هناك ، نهار ملئ بالدموع والحسرة  على حاله وحال أولاده  ولا من معين وليس باليد حيلة  ولا حول ولا قوة له إلا بالله.

صالح الوحيشي يحب العمل ومستعد له مهما كانت صعوبته، لكن البطالة هي السائدة في ظل التخلف والاستعمار. هي السائدة في ظل هذا الاستعمار الأجنبي والاستعباد المحلي والسنوات العجاف وارض يخيم عليها الجفاف ومواسم لمرة واحدة في كل عامين بالكاد تطعم العائلة لأسابيع معدودات في العام.

والسؤال الذي كان يرافق رب الاسرة دائماً ما العمل؟ أين المخرج؟  ماذا يجب عليه ان يفعل، لا بل ملزم ومرغم لفعل شيء ما يغير هذا الوضع المأساوي الذي حل بهم، يجب فعل شيء، والإقدام على خطوة لإيقاف الانهيار القادم، لتفادي المصيبة التي تـقـتـرب منهم يوماً بعد يوم .... يجب عليه البدء بالتغيير، تغيير الواقع بمحاربة الخوف من المستقبل المجهول، مسـتـقـبـل دخل الجميع فيه في نفق مظلم لا يعرف أحد نهايته إلا الواحد الأحد، يجب عليه تغير الواقع الذي يديره ويتحكم به بعض كبار القبيلة الذين يملكون كل شيء على الأرض، الحجر، والبشر. والسؤال من أين لهم هذه القوة؟ القوة هذه مسـتـمـدة من مجمل النظام المتـخـلــف الجاثــم آنذاك، على الشعب بجميع شرائحه الاجتماعية.

وعلى خلـفـيـة هــذه اللـوحـة القاتمة السواد والـتـشـاؤم، المتجسدة لـيس امام صالح الوحيشي فحسب وإنما امام الغالـبـيـة العظمى من سكان الريف، بدأت الهجرة الجماعية الهجرة إلى المجهول بكل مغامراته وتحدياته التي لا يقدر على مقاومتها وخوضها الا الرجال أمثال صالح الوحيشي وهم كثر في تلك الفترة التي كانت تحوم فيها فوق سماء الـبـلاد غـيـوم التـخـلـف والاسـتـعـمـار.

     

الـقـرار الحاســم

 

فكر صالح الوحيشي بمصير أولاده  وأولاد اخـته  الجائعـيـن غـذائيـا وتعليمياً، وبين ليلــة وضحاها قـرر الرحيل والهجرة كباقي أبناء جلـدتـه بحثا عن لـقـمـة العيش التي لم يجدها على ارض وطنه المتخلف  في الريف والمحتل في المدينة،  عـله يجدها هناك في ارض الغربة ، لم يهاجـر بعيد ووقع الخيار على القرن الإفريقي  وبالتحديد مدينة اغـوردات الاريترية  لتكون ملاذ له في هذه الفترة  من هجرته وبعد عذاب  مضن من البحث الطويل  عن مهنة أو حرفة  اختار التجارة مهنة له بالرغم من خطورتها في بلد الاغتراب و ما تخبئه من مطبات ومغامرات وأخطار وحرق أعصاب لمن يزاول هذه المهـنـة الصعـبـة التي تتطلب الجرأة  والشجاعة والشطارة في أن واحد،  فـمـا بالك بصالح الوحيشي القروي البسيط القادم  من الريف الذي لم يغادره طيلة حياته حيث كانت حدود قـريته حدود العالم بالنسبة له وفجأة نراه في ارتيرية وتاجر أيضاً   بكل تحـديات هذه المـهـنــة  .

كما ان أي مغترب في تلك الفترة كان يواجه صعوبات في أداء التزاماته المادية تجاه اسرته بالوطن التزامات ليست سهلة على صالح الوحيشي، للصعوبات التي يواجها كبقية المغتربون في غربتهم بشكل عام بدءاً من صعوبات التحويلات المالية إلى الوطن مروراً باستلام الاسرة لهذه الأموال، إن أفلحوا في التحويل في ظل غياب نظام مالي منظم للتحويلات المصرفية وخاصة في الريف الذي كان يعمل بنظام الحوالات، وانتهاءً بخطورة الادخار في بلد الاغتراب، بالطبع لم يستلم الأولاد المقيمين في الريف النائي من والدهم أموال تذكر او لنكن منصفين كانوا يستلموا جزءا يسيرا منها لصعوبـة التحويلات ولذلك في كثير من المرات يرسل تمويل من الغذاء والملبس ليس لأسرته فقط ولكن لأهل منطقته.

لـم يهاجـر صالح الوحيشي هربا من واقعه لوحده بل أصبحت في تلك الفترة الهجرة ظاهرة جماعية وهذه الهجرة كانت من مصلحة المستبد قـبـلـيـاً والمستعمر الأجنبي، لان في هذه الهجرة ضعف للمقاومة، وما يحوله المهاجرون من أموال لعائلتهم يصادر وينهب جزء منه في منتصف الطريق قبل وصوله إلى هذه العائلة او تلك من قبل من يدير البلاد ويتحكم بالعباد أي من قبل مغتصبي الوطن لأنهم هم من يسنون القوانين وهم من يخالفونها.

باختصار. (لصوص محميون بأعرافهم الاجتماعية ومحصنون بتشريعاتهم التي أصدروها بأنفسهم ولأنفسهم بالذات)، الا يكفي المعاناة بين الهجرة والغـربة ويضاف إليها أيضا مصادرة أموال المغـتـربـيـن آنـذاك.

 

 

 

 

المصائب لا تأتي فرادى

 

بعد سفر صالح الوحيشي واثناء تواجده في المهجر توفت زوجته وأصبح الأولاد بدون ام ترعاهم الأمر الذي اضطرهم للانتقال الى دار العمة للعيش معها، التي ليست بأحسن حال من أخيها اذ انها هي الأخرى أرملة ولديها ولدان وبنت وبين ليلة وضحاها ازداد عدد أفراد العائلة الجديدة.

 

بدايات الابن سالم

سالم أحد أبناء المغترب صالح الوحيشي، كان ينتظره المستقبل بالكثير.

 واثق الخطوة، كان يمشي سالم على الدوام ‏بالرغم من الآمه ومعناته من كل ما يدور حوله من مآسي وفقر وفاقه او قهر، ناهيك عن حالة الجوع الذي كان يرافقه على مدار الساعة واخوانه واولاد عمته التي ترملت ‏وأصبحوا أولادها يتامى في ذلك الزمن العقيم الذي لم يكن يرحم أحد.

 

ذلك ‏الزمن الموبوء والذي أتى فيه الاستعمار ناهيك عن الصراعات والنزاعات الداخلية ‏بكل تداعياتها. ففي ظل الصراعات السياسية والقبلية بسبب المعاناة من جرائم الاحتلال الأجنبي وايضاً من القهر والظلم الذي كان الشعب يعانيه من التخلف القبلي كذلك.

 

لذا دفعتهم العمة والواقع الحياتي المرير للعمل مع الآخرين، والأصح للعمل عند الآخرين في القرية كأجراء أي كرعاة للأغنام وهذا ما حرمهم مستقبلهم التعليمي بعد حرمانهم من والدتهم. إذن حرموا من مستقبلهم التعليمي الذي كان محدودا في القرية هذه بالذات حيث كان ينحصر في تعليم الاحرف الابجدية والقران الكريم. ولذلك حتى هذه المدرسة لم يدخلوها لانشغالهم في رعي الأغنام منذ ساعات الفجر الأولى وحتى الغروب أي من الظلمة إلى الظلمة.

شحة الغذاء في الريف

أما طعامهم فكان يقتصر على ما يشربون من حليب الأغنام أثناء رعيها، وما زاد من صعوبة العيش ان الزراعة في الريف كانت تعتمد على الأمطار التي قلما كانت تهـطـل في هذه المناطق.

 وصادفت هذه الطفولة المأساوية، مواسم الجفاف الذي حلت بالبلاد آنذاك. واقتصر قوتهم أي قوت سالم واخوته الرعاة على حليب الأغنام الذي كانوا يشربونه في النهار. أما اللحم فحدث ولا حرج، إذ أنهم لم يذوقوه الا نادراً.

 

يقلق سالم ‏من الغد القادم الذي لا يعلم ما إذا سيغير شيئا في حياته بسبب الفقر الذي ينخر عظامه وينهش معدته، ‏لذا نراه ‏يذهب يوميا إلى رعي الأغنام من الظلمة الى الظلمة يلتقي بصديقه الصامت الشامخ القوي ‏الجبل الأصم الذي هو الآخر ينتظره ‏‏بشوق لسماع همومه عله يقدم له نصيحة تخفف من معاناته وعذابه وعلها تفيدة في مسيرة حياته القاسية وتزيد هذا العصامي النادر قوة.

 

كانت لديه رغبه جامحة على مدار الساعة لمضغ شيء للاستمتاع بالطعام لأنه كان يشرب الحليب فقط، كان يعود في اخر النهار واغنامه متخمه من اقتاتها في المرعى وبطنه خاويه، متعباً جائعاً الا من قليل من حليب الأغنام.

 

نعم الأغنام التي يرعاها وكان يفعل ذلك كل صباح ‏ ‏وكل يوم يقع الاختيار على غنمة محددة لحلبها، باختصار من المنتج إلى المستهلك لذا لم يعرف طعم للمأكولات والمشروبات الأخرى الا طعم الحليب الذي يشربه.

 

وبما ان هؤلاء الأطفال عاشوا في مواسم الجفاف وشحة الأمطار وانعدام المحاصيل الزراعية من الحبوب وهي الزراعة الأساسية والرئيسية في الريف العـربي ولا بديـل غيرها، وكذلك بسبب العـوامل الطبيعية وصعوبة الأرض جغرافياً فقد كانت كمية الحبوب قليلة ونادرة، وفي مثل هذه الأحوال جرت العادة في الريف لـحـفـر حفرة في الجبل الصخـري كان يطلق عليها اسم (المدفـن) لاستخدامه في تخزين الحبوب لحين حلول موسم الزراعة القادم، وكذلك يتم اللجوء إليه في وقت الـقـلـة والشح. وتخزن هذه الحبوب في المستودعات الصخرية وتغـلـق بأحكام لمنع التهوية وعدم دخول البكتريا وبالرغم من اتخاذ كل هذه التدابير والاحتياطات يصاب جزء من هذه الكميات بالتسوس، وعندما يلجأ شيخ القبيلة إلى فتح مستودعه الصخري هذا للاستعانة به يكون نصيب الأسر الفقيرة ومن ضمنها أسرة العمة الأرملة وأطفال اخوها، القمح الذي أصابه التسوس وعند طحن هذه الحبوب وعجنها وخبزها تحصل على رغيف ساخن اسود تفوح منه رائحة التسوس.

 

مخاطر الفقر والجهل والمرض

جهل، فقر، امراض سارية ومعدية، تسببت بوفاة اثنين من أولاد صالح الوحيشي التي ترعاهم العمة الأرملة وهذه هي مصيبة أخرى تلحق بالعائلة نتيجة الأوبئة كالطاعون والسل والجدري وغيرهما من الأمراض المعدية في ظل الغياب التام للخدمات الطبية وبقي ثلاثة منهم في حضنها إلى جانب ولديها، ولا تأتي المصائب منفردة بل الواحدة تلو الأخرى إذ حدث المصاب ا الجلل، المصاب الأليم حيث تلقت العمة والأولاد نبأ وفاة والدهم صالح الوحيشي في المهجر وهنا الطامة الكبرى، الا يكفي أنهم في فـقـر مدقع وها هم يتامى أيضاً.

  بدأ الأولاد يفكرون بتركة الوالد وبالثروة التي من الممكن ان يكون قد تركها لهم وقرروا انه يجب عليهم السفر إلى البلد الذي كان يعمل فيها والدهم أي إلى ارتيريا للحصول على التركة المفترضة وبدأوا يحلموا بمستقبل زاهر، مستقبل ينسيهم عذابات الماضي المريرة وبنفس الوقت بدا التـنـافـس بينهم على تـركــة الوالد وبدأوا يخططون لمغادرة القرية أملاً بحياة أفضل. برز السؤال من يذهب لجلب الميراث؟ واخيراً قرروا أن يذهبوا الاثنين الأكبر من الإخوة ومعهم واحداً من أبناء عمتهم. وتخلف أخوهم وابنة عمتهم الأصغر سناً الذي أؤكل لهم العناية بعمتهم العليلة.

الخطوة الأولى مغادرة القرية إلى ميناء عـدن، (لان السفر إلى ارتيريا في تلك الفترة لــم يكن سهلاً على الإطلاق) اذ يستوجب قطع البر وثم الإبحار من ضفة الجزيرة العربية إلى ضفة القرن الإفريقي وهذا ليس بالأمر السهل، اذ انه ملئ بالمغامرات والتحديات في الانتقال من القرية إلى مدينة عـدن، ولا يمكن تحقيق كل ذلك إلا من خلال العبور بالمحميات البريطانية من السلطنات الممتدة على طول خليج عدن، وثـم المغامرة الكبرى اذ يجب عليهم ان يركبوا أي سفينة من مستعمرة عدن البريطانية الى الساحل الافريقي وكان ذلك في بداية الاربعينات من القرن العشرين.

 

الانتقال من الريف الى عدن

 

        عدن المدينة العصرية والحضارية عدن الحاضنة لكل القوميات عدن السلام والمحبة والوفاء والوئام لؤلؤة الجزيرة العربية، بثقافاتها ‏بجمالها بعراقتها بإطلالاتها، والأهم من كل ذلك امتلاكها لنسيج اجتماعي متنوع ومتكامل ومتناغم قل وجوده في العالم حتى في وقتنا الحاضر، عدن جنة الله على أرض الجزيرة العربية.

 

‏هذه المدينة هي ارض العطاء بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى ‏الا أنها لم تكن تحظى بالاهتمام الكامل من المستعمر قبل الحرب العالمية الثانية إذا كان جل اهتمام الإنجليز على الممر البحري بقناة السويس اثناء تواجدهم في مصر ‏غرباً والهند شرقا التي كانت تعتبر جوهرة التاج البريطاني شرقاً، وكان حيز اهتمام الإنجليز او النصيب الأكبر أو كما يقال حصة الأسد من الاهتمام الإنجليزي ينصب بشكل ‏مباشر على تواجدهم في الهند ‏وكان اهتمامهم بها مركزا اول بشكل حصري إذا فاق تركيزهم على الهند كل مستعمراتهم الأخرى، وكانت عدن تتبع الحاكم البريطاني في الهند اثناء استعمارهم لها.

انطلاقا من ذلك كانت عدن بالنسبة للحاج سالم بمثابة نقطة انطلاق لبداية رحلته والطموح لرحلة العمر ورحلة المغامرة في ‏البحث عن الذات وعن لقمة العيش وعلى النجاح في المستقبل وعمل سالم واخوته في احدى مطاعم المدينة التي يملكها احد التجار الذي ينتمي لقريتهم ليجمعوا تكاليف رحلتهم البحرية الى الساحل الافريقي.

 

‏ومن هنا ‏انطلق من مرفأ عدن متوجها إلى القرن الأفريقي وبالتحديد اريتريا التي كانت جزء ‏من اثيوبيا الذي ‏كان يستعمرها الطليان. ‏ما الهدف في اختياره للقرن الافريقي بالذات؟ كان الهدف ينحصر في البحث عن مكان مرقد والده، عن مكان مثواه الأخير، عن قبره، والهدف الآخر الذي لا يقل اهمية عما قبلها فهو معرفة تركة المرحوم الوالد من عمله التجاري هناك.

 

حالفهم الحظ وتمكنوا من السفر مع سفينة شراعية من عدن الى اريتريا والتي لم تكون آمنه على الاطلاق وقد تتعرض للغرق في أية لحظة، لأنها لم تكن مجهزة كالسفن الحديثة لمقاومة الرياح والعواصف التي كانت ضيفاً دائماً على تلك المناطق. واجهوا خلال رحلتهم الموت أكثر من مرة وتعرضوا للمخاطر ليلاً نهاراً وعانوا كثيراً من الجوع والمرض والعطش، لكن هذه الأيام الغنية بالأحداث كانت بالنسبة لهم بمثابة تجربة حياتية فريدة من نوعها حصلوا خلالها على خبرة جديدة، وانقلبت فيها حياتهم رأساً على عقب، اختلف فيها كل شيء بالنسبة لهم حتى الـغـذاء. هناك على الأرض حبوب وحليب من ثدي الأغنام، اما هنا في عرض البحر فالوجبة الأساسية والوحيدة على مدار الساعة هي الأسماك بجميع أنواعه ومياه مالحة أو شبه مالحة بعد إجراء عملية معالجة لـها أي عملية التقطير. لتنقيتها من ملوحتها كي تصبح مياه صالحة للشرب.

بالموازاة مع تجربتهم الحياتية الجديدة تعرفوا أيضاً على الصداع من جراء دوار البحر وكذلك على الغثيان والاستفــراغ الدائمان ولكن بعد مرور فـتـرة قصيرة تأقلموا مع كل هذه الظروف الجديدة التي لم يعيشوا مثلها على الأرض وانتهت الرحلة بسلام.

 

‏تميز ‏الحاج سالم بصفاء النية في كل افعاله وأقواله، يمد يده ‏لكل من حوله متأهب ‏لتلبية ‏طلب وحاجة القريب والغريب ‏بكل رحابة صدر ‏ ‏ليس غريب عليه هذا الامر كونه عصامي أبا عن جد من راسه حتى أخمص قدميه. حي الضمير أينما حل، رافع الراس عاليا بلا ملل لأنه مؤمن بربه لم يظلم احداً مخلصا بعمله ، الشرفاء من حوله واهل الكرم والشهامة كانوا تواقين للتعرف على هذا الرجل الطيب ولقياه لينهلوا ولو اليسير من خبراته وعصاميته، ومن طيبته وايمانه وتواضعه وصبره على الرغم من صغر سنه، وبالرغم من انه ولد وترعرع وبدا مسيرة حياته في الريف فقير وابن مهاجر ويفتقر الى التعليم الكافي والثقافة حتى بحدها الأدنى الا ان انتقاله القسري الى المدينة ثم المهجر ليبحث عن تركة ابية وقوته وقوت أهله واقربائه مكنه بجده وكفاحه ومثابرته وجهده الدؤوب ان يمتلك كل ادوات الحياة المدنية بامتياز.

من ‏هو هذا الطيب الخير؟ من هو هذا الإنساني بالمعنى الحصري للكلمة؟ هذا هو الحاج سالم البعيد بعد السماء عن الأرض عن راحة البال والطمأنينة، ‏نعم هذا هو الحاج سالم المثابر على الدوام الذي لا يعرف الهدوء والسكينة ‏ولا يعرف طعم الراحة بسبب الظروف الاكثر من قاسية الأعظم من القاهرة، الخالية من الشفقة انه ‏بحاله قلق من الغد ‏ومما سيحمله ‏له ولمن حوله من عذاب وآهات وجوع وتحديات.

 

الوصول إلى ارتيريا

وصلت السفينة الشراعية التي نقلت سالم واخوته في نهاية المطاف إلى ميناء (عصب) الايريتري في القرن الإفريقي الذي كان جزءاً من الإمبراطورية الحبشية التي كانت تقع تحت الاستعمار الإيطالي آنذاك.

هم الآن على موعد مع مغامرة جديدة تتحداهم وهي كيفية الانتقال من عصب إلى أسمرة العاصمة الأريتيرية.  غرباء هنا، بدون مال بدون غذاء ناهيك عن أنهم بدون المام بلـغـة الـبـلـد كل هذه الصعوبات تتحداهم وبقوة، لكنهم أبناء ريف أيضاَ هم يتحدون الصعوبات والمصائب ومصممون على تنفيذ المهمة التي جاءوا من اجلها، رجال وبكل ما تعني هذه الكلمة من معنى بالرغم من صغر سنهم، توكلوا على الله وساروا على هذا الدرب الصعب وتحملوا المشقات ووصلوا إلى أسمرا بعد جهد جهيد.

وفور وصولهم حالفهم الحظ والتقوا مع مهاجرين من أبناء جلدتهم، مهاجرين بالتحديد من أبناء منطقتهم بالذات، الأمر الذي سهل عليهم الكثير من المصاعب، تحدثوا لهم عن هدف وصولهم المتمثل في زيارة قبر الوالد، والتي هي بداية المشوار ومن ثم السؤال عن عمله السابق وماذا ترك لـهم من مال واصول أن كان يملكهما وبعد حديث مطول أبلغوهم أن المرحوم والدهم كان يعمل في مدينة اغوردات الأريتيرية وتوفى هناك ودفن في مقبرة هذه المدينة، شدوا الرحال إلى هذه المدينة حيث كانت معركة أخرى من العذاب والشقاء في انتظارهم. فمنذ مغادرتهم القرية وخلال هذه السفرة الطويلة الشاقة والمسافات الطويلة التي قطعوها براً وبحراً كانوا يعيشون حلماً واحداً راودهم باستمرار هو حلم الحصول على التركة وايجابيات هذه التركة بدءً من تسديد نفقات هذه السفرة اللعينة التي أرهقتهم مروراً بحياة أفضل وانتهاءً بانتقالهم من الفقر إلى الغناء. لكن وأسفاه كان هذا الحلم حلماً من السراب، وكانت المفاجأة عندما قيل لهم: أن متجر والدهم نُهِب.

  قصدوا قبر الوالد وجدوه، قرأوا الفاتحة على روح المرحوم والدهم نظفوا قبره، تبددت الأحلام واندثرت الآمال حيث لا تركة ولا أي ورثة وعبثاً خاضوا هذه المعركة، معركة الهجرة والبحث عن تركة أبيهم التي لا وجود لـها أصلاً، قرروا العودة إلى أسمرا. أذ عندما كانوا في اسمرا أثناء رحلة البحث عن التركة جالوا فيها وخلال تجوالـهم لاحظوا امكانية الحصول على فرصة عمل بمساعدة أبناء منطقتهم الذين يعملون في هذه المدينة المكتظة بالقوات الايطالية والتي تنحصر مهمتها في قيادة عمليات قوات المحور المؤلف من ألمانيا وإيطاليا. وفي نهاية رحلة البحث عن فرصة عمل استــقــر بـهـم الحال في اسمرا، حيث وجدوا فرصة عمل لدى القوات الايطالية كأجراء في معسكراتهم، ومن ايجابيات عملهم مع الطليان خلال هذه الفترة انهم تعلموا اللغة الايطالية وبدوا يتحدثون بها زد على ذلك انهم كانوا يأكلون ويشربون ضمن التمويل لمعسكرات الطليان، وكذلك كانوا يسكنون في اقبية الثكنات العسكرية بمدينة اسمرا.

 

 

 

عذابات الحرب العالمية الثانية

وأثناء تواجد الحاج سالم في هذه المنطقة بالذات كانت اريتريا كجزء من الحبشة بشكل خاص والقرن الأفريقي عموما كما عهدناه على مدى التاريخ بمثابة ملتقى للحضارتين العربية والأفريقية. هذه هي الحقيقة فقد كانت ‏هذه المنطقة نقطة التلاقي بين هاتين ‏الحضارتين العريقتين، ‏وهذا ما دفع بالحاج سالم لاكتساب جزء كبير من الثقافة الممزوجة بالتعليم أقصد ما اكتسبه من أبنائها الأصليين، لا بل تعلم منهم اللغة الأمهرية هذا أولا، وثانيا معايشة ‏السلطات الإيطالية ومؤسساتها عن قرب ومن خلال العمل مع الطليان، تعرف على جزء لا بأس به من الحضارة الأوروبية. وثالثا ‏أتقن اللغة الإيطالية وهذا ليس بقليل، وهنا بإمكاننا القول أنه بدأ يتأقلم وبشكل سريع وملحوظ مع كل من حوله من بشراً ولغات وحضارات. ويبدو انه كان مستعدا من خلال عصاميته لكل هذه التطورات وكل ما يطرأ من جديد، انه مادة خام ويمكنه التكيف مع كل ما حوله بسهولة وبكل رحابة صدر وإبداع يفوق التصورات، هذه هي بعض الجوانب لكل ما حدث خلال فترة إقامته في اريتريا.

ولابد من ذكر جانب من المعاناة في حياة الحاج سالم في تلك المرحلة، اذ عاش ‏عن قرب معاناة الحرب العالمية وتداعياتها واطنان القنابل التي ترمي به القوات البريطانية كجزء من التحالف على سكان منطقة اريتيريا ‏مستهدفة القوات الإيطالية المستعمرة هناك، التي كانت جزء من قوات المحور بقيادة المانيا. إلا أن تلك القنابل لم تكن كلها ترمى على رؤوس القوات الإيطالية ‏وإنما كانت تحصد أرواح سكان مدينة اسمرة وغيرها من المدن ‏الاريترية ‏التي تواجدت القوات الإيطالية فيها. وأن كان الحاج سالم قد كتب له الله النجاة إلا أنه تعرض للإصابة بجروح اثناء ذلك، ومرت عليه الحوادث المرعبة الكثيرة في تلك المرحلة.

كانت تدور رحى هذه الحرب بين معسكرين: قوات المحور (الألمانية والايطالية) من جهة وقوات الحلفاء (الأمريكية، البريطانية والروسية) من جهة أخرى، وكانت الطائرات البريطانية تشن غاراتها الجوية ضد القوات الايطالية المتمركزة في أسمرة منطلقة من عدن وترمي بأطنان من القنابل على رؤوس الطليان والشعب الأريتيري والمهاجرين العرب بمن فيهم فتياننا الذين كانوا رعاة للأغنام بالأمس القريب وأصبحوا عمالاً لدى قوات المحور، وشاءت الأقدار ان ينجوا من القصف ويمد الله بأعمارهم. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبهزيمة قوات المحور تلاشى دور القوات الايطالية في  أسمرا مما أدى إلى  فقدان الفتيان والكثير من المحليين والمهاجرين عملهم الذي كان ينحصر بتقديم الخدمات للمعسكر، لذا قرر الفتيان الثلاثة  بعد ما شاهدوه  من دمار في هذه المدينة ، وبعد أن عجزوا  في إيجاد فرصة عمل أخرى ، قرروا العودة إلى ميناء عدن في منتصف الاربعينات من القرن العشرين لعلى وعسى ان  يحالفهم الحظ هناك، وشدوا الرحيل على السفن الشراعية التي نقلتهم إلى عــدن  و تكررت نفس المعاناة للبحر،  بعد وصولـهم فوجئوا بازدهار الميناء في عدن وتطوره، و كان هذا الازدهار والتطور  مرتبط ارتباطاً مباشراً بانتصار المستعمر البريطاني كأحد حلفاء قوات التحالف (الأمريكي البريطاني الروسي) الذي شارك في هذه  الحرب مشاركـة فعالـــة.

 

‏انتهت الحرب العالمية الثانية، انهزم ‏الطليان ‏كطرف من أطراف قوات المحور فقد تم ‏انتصار الحلفاء، تراجعت الأوضاع المعيشية والفرص الاقتصادية والتجارية في المستعمرة الإيطالية، في الوقت الذي بدأت عجلة الازدهار بالانطلاق في المستعمرات البريطانية، بعد انتصار قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية بما فيها بريطانيا، وبداءات عجلة الازدهار تتحرك في المستعمرات البريطانية بسرعة ، ‏إذا شملت ‏مدينة عدن وليس هذا بالغريب ، فعلى الفور بعيد انتصار قوات التحالف ، ومع منتصف القرن العشرين ‏عند خروج الإنجليز من كل من مصر والهند صفر اليدين، لم يبقى لها الا الاحتفاظ بمستعمرات قليلة بالكاد تذكر، ومنها مدينة عدن وميناءها ‏الذي ‏ازدهر ‏في تلك المرحلة ليصل الى مرتبة ثالث ميناء في العالم بعد ميناء نيويورك وليفربول ‏من حيث حركة السفن وحركة تبادل البضائع في مجال الاستيراد والتصدير. هنا من جدير بالذكر أن الإنجليز اولوا جل اهتمامهم بهذه المدينة التي تعتبر بكل المعايير مدينة جيوستراتيجية على الاقل لأن موقعها الجغرافي في وسط الملاحة بين الشرق والغرب يمنحها الحق بتسميتها بالمدينة الاستراتيجية وبدأت عملية التطور والنمو ‏والازدهار في جميع القطاعات تبلغ دورتها، وفي فترة زمنية ‏قياسية ‏أصبحت مدينة عدن إحدى أكبر مدن المنطقة تطورا وازدهار على المستوى التجاري والاقتصادي والمالي والاداري وغيرها.

 

مرحلة التنقل بين أعمال عديدة

 

وفي خضم هذا التطور، لاحت الفرصة أو لنقل أغتنم الفرصة الحاج سالم ‏مسرعا وعاد في ريعان شبابه إلى وطنه الأم، إلى مدينة عدن في ذروة ازدهارها، وبدا المشوار.. ‏والتدرج بين المهن المختلفة، كانت بداية ‏مسيرة التدرج في اختيار المهن ‏مليئة بالمغامرات والتحدي.

كان يحمل روح المجازفة والتحدي للنظام الاستعماري، روح محفوفة بالمخاطر مشوبة بالأفراح والأتراح ‏ونادرا ما كانت تلقى المسرات في البداية.

‏مسيرة رجل عصامي مؤمن بربه متوكل على الله في كل خطوة، لذا كان ‏يعمل بصدق وإخلاص كان يعمل بتفان ‏منقطع النظير لتأمين لقمة العيش بالرغم من أن عمله من الفه الى يائه كان يتحدى فيه التعقيدات عند الضرورة، ‏لكنه لم يفكر أنداك ‏بالتجاوز الصارخ للقوانين.

 

كان الحاج سالم واخوه الأكبر أحمد بمثابة شاهد حي على عملية الازدهار السريع والتقدم والتطور في ميناء عدن وكانوا يسمعوا أحاديث سكان عدن التي تدور حول أن هناك الكثير من فرص الكسب  السريع بدءاً من قطاع الخدمات في القاعدة البريطانية المتنامية، مرورا بتقديم الخدمات للسفن العسكرية  والمدنية التجارية، كتزويدها بالمواد الغذائية أثناء إبحارها ذهاباً واياباً من اوروبا إلى منطقة الشرق الأقصى عبر قناة السويس وميناء عدن وتجارة الصرافة للقادمين على السفن  وانتهاءً بفرص العمل  في متاجر عدن التي أصبحت سوقاً  حرة  للبضائع والمنتجات المستوردة  من جميع إنحاء العالم والتي يعاد تصديرها إلى مناطق أسيا وإفريقيا عبر ميناء عدن أيضاً.

عندما ذهب احمد وأخيـه الحاج سالم مع ابن عمتهم إلى الحبشة ذهبوا للبحث عن تركة والدهم وكانوا يطمحوا إلى الثراء لذلك بعد عودتهم إلى عدن عادوا حالمين (باستثناء ابن عمتهم الذي اشترى سيارة وفضل العودة بها الى الريف ليعمل في مجال النقل) ولم يقـتـنعوا بالوظيفة واختاروا العمل الحر ولذلك خاضوا غمار التجارة تقريبا بـدون رأس مـال يــذكـــر إلا القليل مما عــادوا بــه مـن المهجــر.

 كما ان عدن كانت مدينة ديناميكية وخاصة في منتصف القرن العشرين، وتـنـمـوا لتلحق بالمدن العصرية في العالم وتنافسها، ولذلك كانت مدينة تصهر القادمين اليها في بوتقتها الطموحة، فاختار الأخوين التحدي مستندين إلى خبرة اختلاطهم بالطليان والاريتريين اثناء الهجرة إلى افريقيا، وكان احمد وأخيه الحاج سالم من أكثر الناس استعـداداً ليذوبـوا في النسيج المجتمعي لمدينة عـدن الكوزموبوليتينية ويتكاملوا مع سكان عـدن وخلقوا علاقات عمل تجارية مع ذوي الأصول الأسيوية والإفريقية وأهل البلد الأصليين العرب وغيرهما بما فيهم اليهود، والذي اشترى الأخ الأكبر، احمد من أحدهم الشارع الذي فيه بيته في دكـة المعلا، فعملوا جادين وكان لهم إسهامهم في النشاط  التجاري الذي كان في عـدن.

عندما كانوا في مرحلة الشباب المبكرة قرروا خوض العمل الحر وبالتحديد العمل في مجال التجارة مع ركاب السفن والبواخر الكبيرة التي كانت ترسو في ميناء عدن.

ثم اختاروا مهنة تصريف العملة لتكون الخطوة المتقدمة في عملهم الجديد المليء بالمخاطر، وبما انهم لا يملكون الرأس المال الكافي لاستئجار مكتب على اليابسة اضطروا لاستئجار قوارب صغيرة لمزاولة عملهم هذا للوصول إلى السفن في عرض البحر، كما يتطلب الامر التسلق إلى سطح السفينة الراسية في الميناء من خلال استخدام الحبال بعد تثبيتها بأعمدة السفينة والتسلق عليها. وكذا الحال للأكياس، هي أيضاً كانت تلعب دوراً أساسياً في تنفيذ هذه المـهمة لان الأموال توضع في الأكياس تفادياً لتبللها وفقدانها في حال سقوطها أثناء عملية التسلق من القارب إلى سطح الباخرة. وكانت الروبية الهندية هي العملة المتداولة آنذاك، لان عدن كانت جزء من المستعمرة الهندية البريطانية، ثم بعد استقلال الهند، اعتمد بدلاً عنها بالشلن الشرق افريقي، وللترويج للعملة الجديدة، كانت إذاعـة عدن تبث أغنية مطلعها (خـذ الشلن واصرفـه سنتات اما زمان الربية قـد فـات) تم استبدال الشلن بالدرهم والدينار الجنوبي. 

 

كان الحاج سالم يفكر على مدار الساعة في كيفية إيجاد لقمة العيش وشق الطريق باتجاه المستقبل الأفضل ‏ولم ينتظر ذلك وبدا يعمل تاجر بسيط لسد رمقه، ومد جسور باتجاه ما يطمح به تجارياً، بدأ الحاج سالم بالعمل وكانت من ضمن المهن التجارية الحرة الأولى هي مهنة ( صرف العملة ) ‏حيث كانت هذه المهنة من أخطر المهن التي مارسها، وارتكاب أي خطأ فيها كان يودي به الى الهاوية، ‏هاوية السجن وهاوية الافلاس والاعظم ‏هاوية الفناء الذي كان يمكن ان ‏يتعرض له، ناهيك عن ‏هاوية النصب والاحتيال وتزوير العملة من قبل بعض العصابات التي تتطفل على هذا النشاط المالي.

كانت تجارتهم مربحة لكنها كانت محـفـوفـة بالمخاطر بنفس الوقت، تجارة مربحة بدون أي تكاليف تذكر، وبالمقابل كانت مليئة بالمغامرات وحرق الأعصاب لأنها تجارة على سطح السفن في عرض البحر، حيث ألقى القبض عليهم أكثر من مرة من قبل الشرطة البحرية.  سجنوا وتعرضوا للضغوطات، وبعد دفع الغرامة اللازمة يفرج عنهم، معركة كرّ وفرّ على مدار الساعة كانت تدور بينهم وبين الشرطة البحرية إلا ان الغرامة كانت تفعل فعلتها في كل مرة، بالرغم من ازدياد تعرفتها يوماً بعد يوم ناهيك عن المعاناة التي كانت تنتظرهم أثناء عملية التسلق الى سطح السفن، وفي إحدى هذه العمليات (الشاقة) أي عملية التسلق والتصريف، رست ذات مرة سفينة ضخمة جداً في ميناء عدن من أضخم السفن التي رست في هذا الميناء منذ تأسيسه. الحاج سالم اعتاد على التسلق والصعود على جميع السفن بحيث  أصبحت هذه المهمة بالنسبة له أسهل حتى من رعي الأغنام،  إلا انه في  هذه  المرة إما إنـه كان متعب أولم يلاحظ ضخامة وارتفاع السفينة التي رست للتو في  ميناء عدن، ولم يتوقع أن مستوى ارتفاعها عن سطح البحر اكبر بكثير من مستوى ارتفاع تلك السفن  التي اعتاد على تسلقها سابقاً ولم يدرك خطورة التسلق، إلا أثناء عملية التسلق التي طالت أكثر من المعتاد ، وبعد قطع مسافة لا باس بها شعر بالتعب الشديد وبدوخة مفاجئة نتيجة الارتفاع الشاهق الذي لم يكن في الحسبان، وهنا أدرك تماماً انه لم يعد باستطاعته متابعة التسلق وقرر السقوط القسري، وبما انه كان يمسك بالكيس المليء بالمال بأسنانه لـم يستطع التحدث وابلاغ أخيه الذي ينتظره في القارب بضرورة الابتعاد قليلاً كونه يمسك الكيس بأسنانه ، ورمى بنفسه فجأة وبدلاً من سقوطه في مياه البحر سقط في القارب مما أدى إلى كسر عدد من أضلاعه، وأصيب ببعض الجروح وسبح في دمائه التي اندفعت من جسده كالشلالات  فاقداً وعيه اثر سقوطه من هذا الارتفاع الشاهق وأصبح طريح الفراش لعدة أشهر.

بعد شفائه أضطر للعودة إلى نفس العمل كون هذه الفرصة متاحة له في مجال الصرافة، وبنفس الاسلوب، وبنفس المعاناة والمغامرات. واجــه الحاج سالم تحديا جديدا على سطح إحدى السفن الايطالية  حيث الــتـقـى  بفريق من البحارة  الطليان، كلهم عمالقة، والوشمات مرسومة على اجسادهم، يخيل للمرء انهم مافيا حقيقية – عصابة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، وكون الحاج سالم يتقن التحدث باللغة الايطالية  من تجربة عمله في اسمرة، بدأ المتاجرة مع هذا الفريق، وكانت نتيجة مفاوضاته معهم، ان عرضوا عليه اسعاراً مغرية، تفوق اسعار الصرف المعتاد، وافهموه ان لديهم مبالغ كبيرة، إلا ان البحارة تحججوا ان المبلغ ضخم وليس باستطاعتهم تنفيذ عملية التصريف على سطح الباخرة  أمام الجميع، مما يتطلب من الشاب سالم ان يذهب معهم إلى غرفتهم الواقعة في الطابق السفلي من الباخرة.

فكر الحاج سالم قليلاً، تردد في البداية، إلا ان هامش الربح من هذه العملية أغراه، فقرر الذهاب معهم، وفي كل فترة من النزول إلى أسفـل السفينة يسألـهم الحاج سالم اين غرفتكم؟ والجواب كان على الدوام: بقي طابق واحد ونصل، سألـهم عدة مرات   لكنه حصل على نفس الجواب، وهكذا دواليك. هنا الحاج سالم قال بنفسه، ذاهب معكم حتى ولو إلى جهنم، وتابع المسير وراءهم، لكن عندما سمع ضجيج محركات السفينة، أدرك انه يقترب من قاع السفينة الذي يخلو من غرف الركاب، فما بالك، وكان الحديث يدور عن غرف البحارة. وأدرك أنـهم يريدوا القضاء عليه ونهب المال الذي لديه، هنا بدأ يفكر بالهروب بشكل جدي مهما كلفة الأمر، وكيف له أن يهرب من مخالب هؤلاء الوحوش الكاسرة، كيف للحاج سالم النحيف الهزيل الذي خرج مؤخراً من العلاج الذي أستمر عدة أشهر، كيف له ان يهرب، هنا شعر بالورطة، شعر بالمصيدة. في ذلك الوقت كانت سفن القرن الماضي لا تعرف نقل البضائع بالحاويات وإنما كانت تنقل البضاعـة بأكياس من القماش، وهذه البضائع كانت تـــعــلـق بحبال وتـنـقـل بالرافـعـة. أيــقـن الحاج سالم ان الـهروب أفضل من خلال الامساك بهذه الحبال لتأخذه الرافعة إلى سطح الباخرة بسرعة لن يستطيع البحارة الطليان الالحاق به، هـنـا عرض عـلـيـهــم شراء السلاح، كما ولو انه يتاجـر بالسلاح أيضاً وخلال ما كان البحارة منشغلين يتشاوروا بشأن المعـلـومـة الجديدة التي فاجأتهم، امسك الحاج سالم بحبال الرافـعـة لتأخــذه إلى أعلى السفـيـنـة، وفي سطح السفينة التقى البحارة مرة اخرى واستفسروا الحاج سالم عن السلاح، أين هو؟ أشار إلى ما بين ساقيه وضحـك وضحكــوا.

 

فكر ملياً ‏بسلبيات وايجابيات هذه المهنة، بربحها وخسارتها بخيرها وشرها، ‏وقرر تغييرها ‏وانتقل إلى العمل في مجال تموين السفن بالطعام والوقود تلك ‏السفن المبحرة من كل حدب وصوب شرقاً وغرباً عبر ميناء عدن الدولي، كانت مهنة مربحة والاهم انها اقل تحدياً من حيث المغامرات والمخاطر وغيرها، وعمل فيها لفترة زمنية طويلة بشكل منتظم وبدخل معقول.

الحاج سالم كان على الدوام يبحث عن الأفضل ‏في مسيرة حياته، لذا كان يشبه العلماء في عملية البحث، كان يشبه الرحالة في عملية الانتقال، والذين لا يعرفون ‏الملل وهدفهم البحث الدائم عن كل جديد ومفيد، لم يقف ‏عند حد معين ولم يعرف التعب. كأن التفاؤل رفيقه ‏وصديقه، لا مكان للهزيمة في حياته‏، يمضي بالسير قدماً، السير إلى الأمام، ‏والنظر إلى المستقبل إلى الغد السعيد. من صفاته أنه لم يكن ينظر إلى الوراء ‏ضمن مبدا "الذي فات مات " هذه عناوينه ‏في الحياة، عصامي هو الحاج سالم ‏لذا ليس من الغرابة أو ليس عجيبا ‏أن يتصرف على هذه الشاكلة.

 مهنة أخرى هي مهنة ‏استيراد البضائع ‏التي كان تعرف فيها مدينة عدن، نعم عدن بالذات ‏لأنها كانت بمثابة منطقة تجارية حرة وأحدث المنتجات الصناعية الأوروبية والآسيوية لا بل العالمية كانت تصل إلى ميناء عدن ومن ثم يعاد تصديرها في جميع أنحاء المنطقة.

وبعد ذلك استقر به الحال أيضا في العمل بمجال قطع الغيار والمكائن المستعملة إذ كان يشتري هذه البضائع عبر مناقصات من ‏مستودعات معسكرات الجيش البريطاني ويبيعها في السوق المحلية والإقليمية، بالطبع بعد إجراء عملية الصيانة اللازمة لبعضها والبعض الاخر الذي لا يصلح اولا يمكن إصلاحه ‏يضيفه الى الخردة التي يتم فرزها وصهرها وأعاده تصديرها كمعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغيرها من المعادن الأخرى. كانت هذه التجارة موفقة‏ او بالأحرى كان موفقا باختيارها.

 

الاشقاء الثلاثة احمد الأخ الأكبر، والحاج سالم الأوسط وحسين الأصغر الذي التحق بهم من الريف، مارسوا أكثر من مهنة، وامتلكوا مستودعاً لخزن البضائع بالقرب من مرسى السفن الشراعية الذي كان يطلق عليه اسم (دكة الغاز)، وفي نهاية المطاف اختاروا تجارة الاليات المستعملة والخـردة.

بدأت تجارتهم تتطور بشكل سريع، هنا بدأ كل واحد من الأخوة بزيارة القرية التي ولدوا وترعرعوا فيها، وكان الهدف من هذه الزيارات هو اختيار زوجة المستقبل اختار كل منهم رفيقة عمره واتوا بهن إلى مدينة عدن للعيش سوية، وبناء العش الزوجي، وسكن الأشقاء الثلاثة مع زوجاتهن في البيت الصغير الذي استأجروه، واجروا عليه بعض الإصلاحات والتعديلات، حيث قسموه إلى ثلاثة غرف بقواطع خشبية ليتسع للجميع، وبقيت صالة مشتركة ببابين أحدهما باب المدخل للمنزل والأخر المؤدي الى المطبخ والمرافق الصحية. 

 

كانت من العادات في الأرياف نظراً للظروف الصعبة ان يـزوجـوا البنات في سن مبكر ويشترطون على الزوج ان لا يعاشرها حتى تصل سن البلوغ، وكان نصيب الحاج سالم ان مر بهذه التجربة. وعلى عكس الريف حيث تلد النساء ابنائها في البيت وكثير ما يتسبب ذلك بوفاة الطفل او الام او الاثنين معاً، ولدت شريفة عاطف جبران زوجة الحاج سالم ابنائها في مستشفى خاص بالولادة في حي كريــتـر وبذلك تكون صحة الطفل وامـــه بعـد الولادة جيدة، وسمى الحاج سالم ابنه البكر أحمد.  كما انه في الريف لـم تكـن توثـق المواليد بعكس المدينة التي يوثق المستشفى الولادة ويتم تسجيلها من مكتب السجل المدني وتمنح على أساس ذلك شهادة ميلاد رسمية. ومن يحمل شهادة ميلاد مدينة عــدن يحظى في المستعمرة البريطانية بامتيازات من ضمنها الدراسة في المدارس الحكومية لفترة ما قبل الجامعة.

 

هنا ‏لابد من التنويه أن الحاج سالم ‏لم يعمل لحسابه فحسب ‏بمعنى انه لم يكن يعمل بمفرده وإنما كانا بمثابة بوصلة الشراكة اقصد شراكة العمل في التجارة كان يعمل مع اخوانه بالطبع هو أحد المحركين لهذه التجارة ‏هو الذي كان يسير جزء مهم من امور التجارة مع إخوانه، وكان يتميز انه هو المرن في المعاملات التي يتخذها الاخوة الشركاء في معاملاتهم التجارية، وكان مخططاً ومبدعاً في كل شيء.

 

وعندما تطورت هذه التجارة العائلية قرر الأشقاء تقسيم الشركة العائدة للجميع، وبفضل الذكاء والخبرة والعمل الدؤوب للحاج سالم ومساهمته بتأسيس الشركة وانطلاقها وتطورها قرر مع اخوته العمل على تقسيمها وليشق كل منهم طريقة في مجال التجارة التي يختارها مع الاحتفاظ برابطة الدم والاخوة والتعاون والتعاضد بين الاشقاء كلما لزم الامر ذلك.

وهذا ما حدث وبذلك شق كل منهم طريقة، وأحرز الحاج سالم نمواً منقطع النظير في نشاطه التجاري الامر الذي ادى الى توسع تجارته بشكل غير متوقع وحينها قام بشراء عقار كبير استخدمه كمستودع لبضائعه المستوردة واختار هذا العقار في مكان قريب جدا من ميناء المعلا مما أعطاها قيمة مادية ومعنوية كبيرة من حيث موقعه ‏الاستراتيجي. فالموقع الاستراتيجي سهل على الحاج سالم او بالأحرى فتح له الأبواب على مصراعيها للعمل في المجال اللوجيستي المتعلق بتجارته.

 

الاقـربـون أولى بالمعــروف

 

على الرغم من ان شراكة العمل بين الاشقاء الثلاثة توقفت قبل عقد من تاريخ الاستقلال، الا ان الحاج سالم إلى جانب مسؤوليته في تجارته واعالة اسرته التزم ادبياً تجاه اسرة شقيقه الأكبر احمد المتوفي عشية الاستقلال، ساند اولاد المرحوم وقدم لهم المساعدة في إدارة تجارة والدهم وقدم لهم الاستشارات اللازمة وابداء العون لهم خاصة وان أكبر ابنـا اخـيـه لم يـنـه المدرسـة في تلك الـفـتـرة بـعـد. كما والتزم بمواصلة تقديم الدعم المادي لأخيه الأصغر حسين في فترة غربته، وفي تجارتـه.

 

الانـتـقـال للسكـن في المـنـزل الـثـانـي

شاء الـقـدر ان يكون المنزل الثاني الذي انتقل إليه الحاج سالم في حي (الروضة) الجديد، الذي قامت الإدارة البريطانية ببنائه آنذاك لذوي الدخل المحدود، وكانت كل اربعة عمارات مترابطة مع بعض، وتتوسطها السلالم، كانت الشقق في هذه المباني صغيرة الحجم وهي عبارة عن غرفة نوم واحدة وصالة ومطبخ وحمام، وكان للحاج سالم ثلاثة أولاد حينها. وكون الحي جديد، لذا كان معظم سكانه من المهاجرين الجدد القادمين من القرن الأفريقي وشبه القارة الهندية، وكان هذا الحي يقع على إحدى التلال المطلة على الميناء، إلا ان هذا الحي (الجديد) كان يـفـتـقـر او لـنـقـل لم يتم بعد توفـيـر كل المرافق الخدمية لـه، إذ انه لم يتم في بداية انشاء الحي بناء مدرسة فيه، لذا كان الحاج سالم مضطراً لإرسال اولاده إلى إحدى (الكتاتيب) لدراسة القران على الأقل، وكان مدرس القران من أصل صومالي، فإلى جانب تعلم الأولاد للقران، تعلموا او تعرفوا على اللغة الصومالية، وهذا ما ساعدهم على الانفتاح على ثقافات أخرى واجناس مختلفة، وعندما بلغ الأبن الأكبر أحمد، السن الذي يمكنه من الالتحاق بالمدرسة الابتدائية كان الاب يصحبه معه صباح كل يوم عندما يتوجه إلى العمل لإيصاله بسيارته إلى الحي المجاور – حي المعلا - الأقرب إلى ساحل الميناء للدراسة في المدرسة الابتدائية التي تقع  هناك.

وكان يعود بعد الظهر لإيصال ابنه إلى البيت بعد انتهاء التعليم في المدرسة.

لم يكن لدى الحاج سالم الوقت الكافي لتناول وجبة الفطور صباحاً لأنه كان يذهب إلى العمل في وقت مبكر، ويجب عليه إيصال ولده إلى المدرسة قبل بدء العمل.

ومن الذكريات اثناء السكن في الحي الجديد المخصص لذوي الدخل المحدود، مشكلة ان الحي مليء بالكلاب الشاردة، حيث نباحها طوال الليل كان يحرم الحاج سالم واسرته من نوم هادئ، وكان يضطر الحاج سالم وبعض الجيران الذي بينهم أستاذ المدرسة سعيد الجريك ولاحقاً صاحب جريدة الصباح، من ان يلاحقوا هذه الكلاب لإبعادها عن سكنهم تفادياً لانقضاضهم على أطفالهم. ونباحهم طيلة الليل التي تحرمهم نومهـم.

في عطلة الاسبوع كان الحاج سالم يأخذ ابنائه لممارسة السباحة فمرة يأخذهم إلى كريتر، حيث يوجد حوض سباحة بالمقاسات الدولية، ومن حوض السباحة يمكن المشاهدة في قمة الجبل المجاور قلعة صيرة التي درس ابناءه عنها في المدرسة، تلك القلعة التي كان لها دوراً في مقاومة الغزاة القادمين من خلف البحار الطامعين باحتلال عـدن وموقع مينائها الاستراتيجي. وتارة أخرى يأخذ الحاج سالم ابناءه إلى التواهي حيث توجد على الساحل نوادي الشاطئ الذهبي وخاصة شاطي خليج الفيل السياحي. حيث يدرب الحاج سالم ابنائـه الى جانب السباحة على صيد السمك من البحر، واخـذ السمك إلى المـنـزل أو إحـدى المطاعم الشعبية المسماة المخبازة والتي تطبخ السمك والخبز بالـتـنـور. وفي الاجازات الاخرى كان الحاج سالم يأخذ أسرتـه الى حدائق عـدن ومنها ما يسمى "بجيشة" التواهي الذي وضع فيها تمثال الملكة اليزابيت أثناء زيارتها لـعـدن واكبرها ما يسمى بستان الكمسري بحي الشيخ عثمان، او يأخذهم الى مزارع الحسيني بلحج القريبة من عدن والتي يعود منها بكميات من الفواكه الاستوائية كالبابايا وغيرها، أو الذهاب الى عـدن الصغـرى والتي تسمى أيضاً البريقة وفيها مصفاة النفط، والسواحل الجميلة مثل ساحل كـود النمر والغدير وفـقـم وساحل قرية الخيسة.

 كان الحاج سالم نهاية النهار وقبل النوم يقوم بسرد القصص على اولاه وخاصة قصص الفروسية مثل قصص عـنـتـر وابـو زيـد الهلالي.

كان هناك نادي لأبناء منطقته الريفية بالقرب من البناية التي يسكنونها في الروضة، وكان الحاج سالم يرتاد النادي لقضاء بعض الوقت في المساء بعد عودته من العمل، العازفين في النادي كانوا يعزفون انغاماً ريفية، يتمتع بها الحاج سالم، كونها تذكرة بزمن الطفولة.

 

حـوار بـيـن جـيـلـيـن

كثيراً ما كانت تـدور الحوارات بين الحاج سالم واولاده، كحــوارات بين جيلين حول الـفـرق بين طفولة الريف والمدينة وذات مرة استفسر الابناء والدهم كيف كانت طفولته بدون التطورات التكنولوجية من طائرات وتلفزيون ومكيفات وسيارات وتلفونات.

وأجاب الحاج سالم ان جيلهم عاش طفولة مختلفة، او كانوا يلعبوا مع أصدقاء حـقـيـقـيـيـن وليس اصدقـاء افتراضيين، وصنعوا لعبهم بأنفسهم وإذا عطشوا يشربوا من المياه المكشوفة وليس من قوارير التعبئــة ويشربوا مع اصدقائهم من نفس الكاس ولا يمرضوا، كما انهم يأكلــوا الخبز والرز ولا يصابوا بالسمنة لحركتهم الدؤوبة، ومعظم حركتهم بأقدام عاريـة دون حـذاء ولا يصابوا بشي.

وتـعـيـش الأسر مع بقية الأهـل في منزل واحد ويستمتعـوا بالعيش المشترك ويضيف الأب ان جيلهم بقدر ما يصغـوا للوالدين باهتمام فانهم اليوم يصغـوا للأبناء كذلك ويساعـدوا الأبناء في استعمال التقنيات الحديثة على الرغم انها لم تكـن في أيامهم موجودة، ويشير الاب إلى انهم جيل فريد من المهم التعـلـــم منه قبل ان تـغـيـبـه الاقــدار.

 

الانـتـقـال للمـنـزل الثالـث

        عندما انـتـقـل الحاج سالم إلى البيت الثالث في شوارع تتوسط حي الروضة السابق وحي المعلا الساحلي يسمى حي الشيخ اسحاق، كانت الاسرة سعيدة جداً بهذا التغيير الذي طرأ، حيث أصبح البيت الجديد أقرب إلى مدرسة الأبناء الابتدائية، وكان الحاج سالم يصحبهم معه إلى الحفلات في عـدن وكذلك محافظتي لحج وأبين المحاذيتين لمدينة عدن لحضور الاعراس والحفلات التي اشتهرت بفرق موسيقية كثيرة، كانت تغني أغاني حديثة أقرب إلى الذوق الغنائي الحضري بشكل عام. إضافة إلى ذلك شاهد مع افراد الاسرة في تلك الفترة للمرة الأولى في حياته السيرك الهندي الذي كان يقوم بجولات دورية إلى عدن لتقديم عروضه، وهناك تعرفوا للمرة الأولى أيضاً على العديد من الحيوانات، منها الفيل. وتعرف الابناء في الحي الجديد على اصدقاء جدد وأصبحوا يلعبون سوية كرة القدم.

        يوجد في حي الشيخ إسحاق ضريح لاحد رجال الدين الصالحين وأسمه الغطاس. وهناك في مدينة عدن عدة أضرحة لما يسموا بالأولياء الصالحين وتنظم في تواريخ محددة لكل ولي احتفالات تسمى بزيارة الولي والتي تبدأ بمسيرة فيها مواكب من الأقمشة لغرض ان تكسي قبر الولي وتسمى الكسوة. ومن العادات ان الشخص القائم على صيانة وتنظيف هذا الضريح (يسمى القيوم)، والقيوم بعد المسيرة يضع الكسوة الجديدة على القبر ويقوم بقص الكسوة القديمة إلى أشرطة صغيرة يشتريها من يحضر الزيارة ويلف الشريط على معصمهم للتبرك واعتقاداً منهم ان مثل ذلك يدري عنهم الشرور. وبذلك يجني القيوم أموال كثيرة وصار يضرب به المثل الدارج في عدن "التبجيل للولي والفائدة للقيوم". وكانت الاسرة وأصدقائهم في الحي يحضرون هذه الزيارات في الأحياء المختلفة ومنها زيارة العيدروس بكريتر وزيارة الهاشمي بالشيخ عثمان وكانت زيارة الهاشمي هي الأبرز وكان في شارع الهاشمي صديق للحاج سالم، يحلون ضيوفا عليه طوال النهار وتتميز الزيارة بكثرة الحلويات والمراجيح وغيرها من الألعاب للأطفال، كما ان زيارة الهاشمي كانت تترافق معها في نهاية اليوم ان ينظم في المسرح القريب منها بسينما الشعب، حفلا غنائيا ساهر يشارك فيه معظم فناني عدن في تلك الفترة وكان الحاج سالم يحرص ان يحضر أولاده للحفل الساهر.

 

الانـتـقـال إلى المـنـزل الرابـع

استأجـر الحاج سالم منزلاً مكون من طابـقـين وسطح ليتسع للعائلــة التي بلغ عدد ابنائها آنذاك الثمانية أطفال، وبغض النظر عن ان التسمية الرسمية للشارع الذي يقع فيه البيت الجديد المستأجـر المسمى بشارع ذي يزن نسبة إلى أحـدى الشخصيات التاريخية التي اشتهرت بمقاومة الغزو الحبشي، إلا ان التسمية الدارجة لذلك الشارع كانت "حارة الطليان" لكثرة أفراد الجالية الايطالية المقيمة في هذا الشارع وبعض الانكليز والهنود اتباع الكنيسة المسيحية. وكانت عائلة إيطالية تسكن في البيت المجاور لبيتهم وكان الحاج سالم يقيم بدوره علاقات وثيقة مع الجيران الطليان الجدد مستفيداً من معرفته باللغة الايطالية التي تعلمها اثناء هجرته إلى مستعمرة اريتريا الايطالية ابان الحرب العالمية الثانية.

 

كما كان في هذا الشارع جار أخر يدعى "السيد" وكان يزور بيته الكثيرين باعتبار ان نسبه يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وانه ذو سر عظيم يستطيع ان يداوي المرضى ببعض الوصفات الشعبية ويبارك مرتاديه. وكان يدعي انه يستطيع أن يكشف بعض الجرائم. حيث يمكن ان يأتي إليه شخص برفقة من يتهمه بالسرقة، ليؤكد "السيد" التهمه أو نفيها، وكان "السيد" في مثل هذه الحالات يكتب بعض الأدعية على أوراق ويلفها ويطلب من المتهم مضغها وإذا لم يستطع فأن التهمة ثابته عليه. والحاج سالم بالرغم من انه كان يحرص على ان يؤدي كل التزاماته الدينية من صلاة وصوم وزكاة وغيرها الا انه كان في أحاديثه الخاصة مع اسرته أو مع جاره "السيد" يعبر عن عدم قناعته بكل اعمال جاره مع مرتاديه، اذ كان يؤمن ان كل شيء بيد الله وان أعمال جاره "السيد" هذه تعتبر من أعمال الشعوذة وان مرتاديه ممن يتأثروا بالخرافات، مما قوى عند أسرة الحاج سالم، ان الايمان وأداء الفرائض شيء ولكن لا ينبغي ان يقترن بالاعتقاد بالطاقات الخارقة لناس من نفس الجنس البشري ولا تتعدى ان تكون خرافات يتأثر بها ضعاف النفوس والجهلة.

جدير بالذكر ان شارع الطليان (شارع ذي يزن) كان يقع على سفح جبل شمسان، هذا الجبل الذي يحتضن من الجهات الاربع أحياء المعلا والروضة والشيخ اسحاق من جهة وحي التواهي من جهة ثانية وحي كريتر من جهة ثالثة وحي خور مكسر من جهة رابعة وهو الحي الذي يقع فيه مطار عـدن، ويفتح جبل شمسان ذراعيه ليحتضن من إحدى الجهات حي كريتر وهذه التسمية جاءت من اللغة الانجليزية وتعني (فوهة البركان) وهي فعلاً كذلك كما تقول الدراسات الجيولوجية حيث كانت فوهة بركانية قديمة هناك وخير شاهد على ذلك نوعية صخور جبل شمسان والتي هي من الصخور الرسوبية.

ويحتضن الجبل من الجهة الثانية حي التواهي الذي كان يطلق عليه الإنجليز (steamer point) ما يعني النقطة التي ترسو عندها السفـن البخارية التجارية القادمة من اوروبا والمتجهة نحو آسيا وشرق وجنوب أفريقيا ذهاباً وإياباً، للتزود بالفحم ولاحقاً بالوقود، وإحدى أبرز معالم التواهي برج ساعة المدينة بتصميم مشابه بساعة بيج بن اللندنية. من الجهة الثالثة حي المعلا، وفيه ايضاً شارع الطليان الذي يقع في مقدمة سفح الجبل وينحدر حي المعلا لتتفرع منه شوارع، فمن جانبه تقع منازل الانجليز وكنيسة حافون (Half moon) أي نصف القمر، ومقبرة مسيحية، اما الجانب الأخر فيحتضن منازل العرب ومسجداً إسلامياً وكذلك مقبرة إسلامية وتليها مقبرة يهودية.

الجزء الاوسط من هذا المنحدر تتواجد فيه المدارس الابتدائية والإعدادية الخاصة بالبنين والبنات وكذلك إدارة الهاتف وسوق البلدية لبيع اللحوم والسمك والخضار والفواكه ودار للسينما، وملعب رياضي في الشارع المقابل لدار السينما.

في  اسفل حي المعلا  وقبل ان نصل إلى شاطئ البحر، ردم الانكليز الجزء المحاذي للبحر من اليابسة واقاموا عليه احد أطول شوارع المدينة، وتم بناء عدد من البنايات العالية على جانبي الشارع الذي سمى بشارع المعلا الرئيسي، وبعد الشارع المذكور، اقيمت منطقة صناعية يوجد فيها مكتب للبريد، ومستوصف الحي، ومركز شرطة وتم بناء رصيف سمى برصيف المعلا لاستقبال السفن التي تقوم بتفريغ حمولتها، كما وتم بناء مستودعات ضخمة لخزن بضائع الترانزيت كي يتم تخليصها جمركياً ونقلها إلى اسواق عدن، ويلي ذلك منطقة المملاح التي عملت فيها احواض المحاذية للبحر وهي عبارة عن احواض من صنع الانسان مرتبطة بقنوات إلى البحر لتمتلي بماء البحر ثم تغلق القنوات لتركد مياه البحر وتجف تحت تأثير اشعة شمس عدن الحارة ليترسب الملح، ثم يجمع الملح من الاحواض للبيع بالأسواق وتعود العملية مجددا، تـفـتـح القنوات لتملا الاحواض بماء البحر وهكذا دواليك. وما يميز منطقة المملاح، هو بناء عـدد من طواحين الهواء فيها لقوة الرياح في المنطقة باعتبارها مفتوحة على خليج عـدن.    

 

وكان لكل من الأخوين احمد وسالم أرضيتين على طرفي الشارع المخصص للمخازن أمام الميناء مع زملائهــم من كبار تجار المدينة وكأنهم يقولوا لرجال الأعمال من زملائهم نحن جناحي الميمنة والميسرة لهذا الشارع التجاري الذي سيــحــلـق بجناحيه إلى العلى بالتجارة في هذه المدينة.    

 

ينقسم بيت الحاج سالم في حارة الطليان الى ثلاثة اجزاء، الجزء الأول منه هو الطابق الأرضي الذي لـه مدخلاً منفصلاً يطل على الشارع مباشرة، حيث يستخدمه الحاج سالم مكتب ولقضاء القيلولة بعد الظهر، واستقبال الضيوف واقامة الولائم التي كانت تقام باستمرار.

الجزء الثاني هو الطابق الثاني الذي يعتبر السكن العائلي للأسرة المكونة من الحاج سالم وزوجته والأبناء والبنات، كما وكان يستخدم هذا الطابق لاستقبال الضيوف من النساء ولمشاهدة التلفاز وتناول وجبات الطعام، ولكتابة الواجبات المنزلية للأطفال.

كانت درجة الحرارة مرتفعة جداً في مدينة عدن الساحلية بسبب قربها من خط الاستواء، وهذه المدينة لا تعرف الا فصلين احدهما صيف معتدل الحرارة واخر شديد الحرارة، ذو رطوبة عالية، لذا اعتاد أهالي عدن اما النوم على اسرة توضع على رصيف الشارع امام المنازل او النوم على اسطح المنازل، كحال اسرة الحاج سالم التي كانت تنام على سطح المنزل الذي كان يحتل الجزء الثالث من البيت، وهناك الكثير من الذكريات لدى الاولاد حيث كانوا يفترشون السطح ويلتحفون السماء اثناء نومهم، وبما ان سينما الحي كانت في الهواء الطلق ومكشوفة وقريبة من المنزل كانوا يسمعوا كل حوارات الافلام العربية التي كانت تعرض هناك، وكل الاغاني العربية واصوات مقطوعات الرقص الشرقي التي لا تخلو منها كل الافلام العربية، لذلك لم يناموا إلا بعد انتهاء العروض السينمائية.

مدينة عـدن جوها حـار على امتداد العام وقـليـلـة الأمطار بـعـكـس المرتفعات الجبلية في الريف.

 

التعامل مع مجتمع عدن الكوزموبوليتي، المجتمع المتعدد القوميات والاعراق

        استطاع الحاج سالم وبسرعة ملحوظة الاندماج مع هذا المجتمع في هذه المدينة – مدينة عدن – الامر الذي أدى الى أن اخذ مكانة مرموقة في المجتمع الإسلامي بعدن والتعرف على المسيحيين والهندوس والسيخ وكان في المدينة معبد لعبدة النار، ومجمل هذه اللوحة كانت تمثل نموذجا لا نظير له من التعايش السلمي في هذه المدينة في عدن. عدا ذلك فان الحاج سالم طيب الله ثراه قد استطاع هذا العربي الأصيل ان يتعايش ويندمج ويتكامل مع اعراق مختلفة من افريقية واسيوية وحتى أوروبية مما ساعده في تعلم واتقان لغات عدة ‏نذكر منها الإنجليزية والهندية الصومالية الى جانب الإيطالية والأمهرية ‏التي سبق له اتقانها خلال تواجده في القرن الأفريقي. وكان الحاج سالم يحرص على تقديم الهدايا لأصدقائه من الأعراق الأخرى وخاصة في مناسباتهم الدينية مثل رأس السنة وغيرها.

 

الحاج سالم رجل خير وخبره

بالرغم من غدق العيش في مدينة عدن الا ان الحاج سالم لم يتنكر لريفه، لم يتنكر للمكان الذي ولد فيه وترعرع لم يتنكر لماضيه المؤلم الذي ذاق فيه المر ‏لا بل الأمرين لم يتنكر لمسقط راسه لأصوله الريفية لذكرياته المؤلمة والأليمة ‏‏بسبب الفقر والفاقة.

 

لم يتنكر ‏لهذا الماضي الصعب فنراه قد قام بتخصيص جزء من منزله لأبناء السبيل أولا وللقادمين من الريف بقصد السكن والإقامة لحين تمكنهم من ترتيب امورهم السكنية وبالتحديد أولئك الذين وجدوا فرصة عمل لاحقاً، وكان يتبنى أولئك الذين قدموا الى عدن بهدف الدراسة، عدا عن ذلك كان يقدم المساعدات جل المساعدات وجل اهتمامه بأولئك القادمين بقصد العلاج في المدينة حيث كان يوفر السكن لهم وذلك من أولويات اهتماماته، ثم يقوم بتسديد فواتير الأطباء المعالجين للمرضى وشراء الادوية اللازمة ويسدد تكاليف مكوث المرضى في المستشفيات اذا دعت الحاجة لذلك، وكانت تصل الأمور الى حد تسديد فواتير ايصالهم الى بيوتهم سالمين  امنين بعد تعافيهم.

 

الحاج سالم لم يكتفي بذلك وانما كان كرمه واحسانه يصل الى دفعه لاقتطاع مبلغ من كل صفقة تجارية يعقدها، ليقدمه للمحتاجين ذوي العفة وكان يذهب بنفسه ‏إلى منازلهم ‏لتسليمها لهم وليطمئن عن ‏صحتهم ويعرض خدماته ان دعت الحاجة.

 

شهر رمضان والعـيـد في المـعـلا

كان الحاج سالم ينظم الافطار الرمضاني يومياً في الطابق الارضي في المنزل للذكور وكالعادة كان البيت مزدحماً بالضيوف، عدا ذلك توزع الاطباق الكثيرة للجيران وخاصة اطباق الحلويات والفواكه، وبعد وجبة الافطار كان الحاج سالم واولاده يؤدون صلاة المغرب في المنزل، ثم يخرجوا جميعاً إلى الجامع لأداء صلاة العشاء والتراويح.

 

تميز الحاج سالم بتقديم عمل الخير بشكل عام وخاصة كان يخرج الزكاة على تجارته خلال شهر رمضان المبارك، إذ ترى مجاميع المحتاجين في المدينة ومحيطها يزدحمون على أبواب مخازنه لاستلام الصدقة والزكاة طيلة الشهر الفضيل.

وفي الايام الاخيرة من شهر رمضان المبارك كان الحاج سالم مع الكبار في السن يُسَخِّرُوا كل وقتهم في التعبد والدعاء وتلاوة القران الكريم وخاصة عشية ليلة القدر التي تستجاب الدعوات فيها، وتفتح فيها ابواب السماوات.

عناء أخر وهو عناء السهر ليلة العيد، حيث يـقضى الحاج سالم طوال ليلة العيد مع أهل الحي في الاستاد الرياضي للحي الذي تنصب فيه مكبرات الصوت للتكبير من المساء حتى الفجر بعد اعلان (لجنة الرؤية) مشاهدة الهلال، وبذلك يتم انتهاء شهر رمضان واعلان اليوم التالي اول أيام عيد الفطر السعيد. واختيار الاستاد الرياضي ذاته لإقامة صلاة العيد بسبب عدم اتساع المسجد لجميع الراغبين في أداء صلاة عيد الفطر وكذلك الحال في عيد الأضحى.

ومن الاحداث الجميلة والبارزة في أول أيام العيد تلك الجولة الصباحية للحاج سالم واولاده على الأهل والاقارب والاصدقاء بعد الصلاة لتهنئتهم بالعيد والعودة إلى المنزل لاستقبال الضيوف المهنئين بعد الغداء. وكان اطفال الاسرة في هذه الــجـولـة يحصلوا من الحاج سالم على مبالغ تسمى الـعيديــة.

 

كان الحاج سالم يحفظ للكثير من الشعراء عربياً ومحلياً وخاصة تلك الاشعار التي تذكي الروح الوطنية او تحمل الحكم والموعظة والتضحية وعلى سبيل المثال كان يردد لأمير الشعراء أحمد شوقي كثير من الابيات منها

وطَني لَو شغِلتُ بِالخلدِ عَنهُ

نازَعَتني إِلَيهِ في الخلدِ نَفسي

كما كان الوالد الحاج سالم في الاعياد او مع قدوم مولود جديد، يقيم في ديوانه حفلات موسيقية للفرقة العدنية وغيره من الفنانين، وكذلك الفرق الفنية مثل فرقة الندوة اللحجية ذائـعـة الصيت بأغانيها المشهورة في ذلك الحين، ولا تقتصر الحفلات على الموسيقى العربية بل كان يدعـوا فرق عدن لذوي الاصول الهندية التي تعزف على الـه هندية اسيوية اسمها "الجماد" وهي تشبه الاكرديـون لكنها لا تحمل على الصدر وإنما تـوضع على الأرض، وكذلك الفرق التي تضرب على الطبول من ذوي الاصول من القرن الافريقي. 

 

مساهمات الحاج سالم الثقافية

 

لابد من الحديث عن شغف وتقدير واحترام الحاج سالم للنخبة المثقفة من فنانين وادباء حيث كان على تواصل ‏مستمر معهم ‏إذ كان ‏يحضر جميع ‏الحفلات والأمسيات الأدبي وكذلك يستضيف دائماً في ديوانه في المساء مختلف الشخصيات الثقافية والسياسية والاجتماعية والتي من بينها الفنان محمد مرشد ناجي.

 

‏أما فيما يتعلق بالعاملين ‏في مجال الأدب فقد ‏كان يوليهم ‏رعاية خاصة ‏ويدعمهم ‏ماديا ومعنويا لتذليل كل ما يعترض ‏‏اداءهم من مصاعب في سبيل تحفيز ابداعاتهم وعطاءاتهم ‏الأدبية والثقافية. وبإمكاننا أن نقدم مثالا على حبه وشغفه ‏بالفن والأدب انه كان يحفظ الكثير من الشعر العربي ويردوه على مسامع أبنائه واصدقائه، كما أقدم الحاج سالم الى جانب اخوه الأكبر أحمد من اقناع ‏عدد من التجار ‏ ‏على شراء احدى دور السينما بمشاركته طبعاً ‏حيث كانت هذه المخصصة لعرض الأفلام ‏السينمائية تقع في حي كريتر، وكعادته أفلح الحاج سالم في تنفيذ هذا المشروع ‏‏الثقافي.

غــدق الـعـيش في المديـنـة 

        كانت مدينة عدن مدينة حديثة ومعاصرة لا بل الأحدث في شبة الجزيرة العربية، حيث تتوفر فيها كامل البنية التحتية مثلها مثل كل المدن الحديثة، اذ يتوفر فيها خدمات الكهرباء والماء والمرافق العامة والطرقات المعبدة والحدائق العامة والمكتبات ودور السينما وملاعب الاطفال، والمخازن التي تعج بالمنتجات وبالمعدات الكهربائية وغيرها وكانت البضائع رخيصة الثمن خاصة  المستوردة من دول الشرق الاقصى الاسيوية كاليابان و تايلاند، و دخل التلفاز إلى مدينة عدن في بداية الستينات،  لذا من الممكن القول: ان الحاج سالم وعائلته عاشوا حياة مدنية  مرفهه بكل ما تعنى هذه الكلمة من معنى.

  وفي ظل الرخاء والرفاهية التي شهدتها مدينة عدن والمناطق الريفية المحاذية لها ازدهرت أيضاً ألوان الفن الغنائي العدني والحركة المسرحية، وكانت تقام العديد من الحفلات وكان يحرص الحاج سالم على حضور هذه الفعاليات الثقافية وكذلك جميع الفعاليات السياسية التي كانت تنظمها النقابات والحركات السياسية في تلك الفترة وعلى الرغم ان الحاج سالم كانت التزاماته في عمله التجاري كبيرة، إلا انه كان حريص ان يحضر ويشارك في هذه الفعاليات.

 

السفر إلى الريف في عطلة الصيف

حرص الحاج سالم ان يطلع ابناءه  عن قرب على قريته الاصلية وعلى الحياة البدائية التي عاشها في طفولته وكانت الحياة مازالت على حالها في تلك الفترة بالريف الذي يرتفع عن سطح بحر خليج عـدن الاف الامتار، لذا كان الحاج سالم يطلب من العم عبدالله ابن عـمـتـه (الأرملة التي احتضنت الحاج سالم وإخوته بعد هجرة الوالد ووفاة  الوالدة) ان يصحبهم في السفر الى القرية، في بداية العطلة الصيفية حيث كان يأتي العم عبدالله إلى المدينة لإجراء صيانة كاملة لسيارته، أو كان يستبدلها بسيارة اخرى أفضل حالة من سيارته التي استهلكت، وكذلك  لنقل ابنائه وابناء عمومته لقضاء اجازة الصيف في الريف وبالتحديد في القرية التي ولد وترعرع  فيها الحاج سالم واخوته.

وعند وصول العم عبدالله إلى عدن في الصيف يلح أولاد الحاج سالم واخوته وابناء عمتهم بالاستفسار عن موعد بدء الرحلة بشوق كبير، والعم عبدالله يشرح لهم بهدوء، انه يجب عليه القيام بصيانة كاملة لسيارته، لتكون على احسن حال استعداداً للرحلة، اما هم فكانوا يحثونه باستمرار ويتوسلوا في الإسراع بتجهيز السيارة للرحلة المنتظرة، وتكون سعادتهم كبيرة جداً عندما يعلمهم العم عبدالله ان الرحلة ستبدأ في اليوم التالي.

 

الدور الوطني للحاج سالم

لنتوخى الصدق والصراحة عندما نتحدث عن الحاج سالم ولنتوخى الحيادية في الحديث ولنكون منطقيين، لذا بالرغم من ان مهنته الرئيسية هي مهنة التجارة الا ان حضوره ‏الشخصي لكل الفعاليات على اختلاف أنواعها السياسية والثقافية والاجتماعية، كان حضوراً لافتاً، وحضوره هذا لم يكن ينحصر على الحضور صامتاً ‏وإنما كان يشارك وبفعالية ‏في هذه الأنشطة من خلال اقتراحاته وعروضه ‏التي كان ‏من شانها ‏في كثير من الحالات أن تساهم بشكل جدي لتحسين وتطوير نتائج هذه الفعاليات مستقبلاً، ناهيك عن أنه كان يدعم كل هذه الأنشطة بأوجهها المختلفة ماديًا ومعنويا بحسب ظروف مستعمرة عدن اذ انه على الرغم من ان تجارته كانت مع الانجليز الذين يمثلوا السلطة بعدن وللمحميات المحيطة بها، الا ان وطنيته كانت واضحة في دعم جهود نيل الاستقلال اذ كان عضواً في الاتحاد الذي تزعمه احمد النعمان ومحمود الزبيري واخرين والذي كان مقره في شارع القطيع بكريتر وكذلك كان يدعم الجبهة القومية بقيادة قحطان الشعبي وجبهة التحرير بقيادة عبدالله الاصنج ومحمد باسندوة في كفاحهما لنيل الاستقلال وضمن الأصدقاء الوطنين شخصيات كثيرة ومنهم عبدالرحمن عبدالله الحكيمي الذي لديه مطبعة السلام بكريتر والذي ورثها من والده الشيخ عبدالله الحكيمي رئيس الجالية الإسلامية في بريطانيا ومصدر صحيفة السلام هناك ونقل مطبعته الى عدن.

الدعم الذي قدمه الحاج سالم للجانب الرياضي

كان الحاج سالم وانطلاقًا من المثل المشهور، العقل السليم في الجسم السليم يقدم دعمه في عموم عدن وضمنهما في مديرية المعلا في هذه المدينة ‏وذلك من خلال دعمه للنادي الرياضي الذي كان يسمى حينها  بـ" ‏نادي شباب الجزيرة الرياضي" وحالياً نادي "شمسان"  ‏والذي كان يرعاه ويدعمه الى جانب احد أصدقائه من تجار الحي والذي كان من ابرز المشجعين صديقة التاجر أحمد يوسف النهاري، ولم يكتف بالدعم المادي فحسب ‏وإنما كان يدعمه معنوياً من خلال تردده ‏المستمر على مقر هذا النادي، كان يبدئ اهتماما ‏خاصا وشخصياً بمشاكل اللاعبين ساعياً على الدوام لحلها ‏لأنه كان ‏يدرك تماما أن حل هذه المشاكل مهما كانت مادية او اجتماعية او عائلية، اذا ما عولجت ‏تؤدي إلى تحسين أدائهم الرياضي وتحفيزهم على العمل الدؤوب والتدريبات اللازمة للفوز في معظم المباريات التي يخوضونها. ‏اما عدم حلها ‏فيمكن أن يؤثر سلبياً على أدائهم الرياضي. ولم ينسى دعم الحملات ‏التشجيعية من خلال ‏توفير وسائل النقل لهم بشكل مجاني للحضور إلى الملاعب حيث كانت مقاعدهم جاهزة وفي أفضل مقاعد المدرجات الخاصة بمشجعي نادي شباب الجزيرة الرياضي.

 

جدير بالذكر أيضا ما كان الحاج سالم يخصصه من أموال ‏لتمويل النادي من شراء المعدات والملابس لجميع العاملين في النادي.

 

عندما ‏يقول الحاج سالم كلمته وعندما يعد بشيء ما، ينفذ وعده الصادق لذا يمكن ‏وبكل ثقة بوصفه ‏برجل القول والفعل.

 

ازدهار تجــارة الحاج سالم للخــردة

حـقـق الحاج سالم نجاحات منقطعة النظير في مجال تجارة الحديد، ودرت هذه التجارة عليه أموال وفيرة، ادت إلى توسيع تجارته، وكذلك انعكست تجارة الحديد بالرخاء عليه وعلى أسرته، وكان يستشهـد بالآية القرآنية التي جاءت على ذكـر الحديد فيها، بقوله تعالى: (.... وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ... )، وعزز نشاطه التجاري من مكانته الاجتماعية في هذه المدينة المتعددة الجنسيات، حيث لم يكن في البداية معروفاً  على الاطلاق، هذا الشاب الفقير القادم من الريف النائي، وبداية كان يشعر بالوحدة والعزلة والغربة في هذه المدينة الصاخبة، واذا به يصبح من كبار تجارها، ووجهائها، وما زاد من مكانته الاجتماعية هو الكرم الذي أشتهر به  في هذه المدينة، وأصبح منزله قبلة لجميع المحتاجين وكان مضيافاً حيث لا ينقطع الضيوف عن بيته على مدار الساعة، كذلك أشتهر الحاج سالم بتوزيع الصدقات والحسنات بشكل واسع، كما كان يقوم بالدعم المالي للحركات النقابية والسياسية والتي تناهض المستعمر في المحميات البريطانية وبعد الاستقلال لم يغادر عدن اسوة بمطعم التجار الذي تضرروا من التأميمات بل انه واصل نشاطه التجاري في ظل الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال بل وساهم في انشاء القطاع الاقتصادي المختلط بين الحكومة والتجار وكان من ابرز مشاريع القطاع المختلط الذي ساهم فيه مصنع الاسفنج بل وحث أصدقائه التجار للمشاركة في هذه المشاريع.

 

 

‏‏‏تربية الحاج سالم لأبنائه

ان مسالة حرمان الحاج سالم من التعليم هو وزوجته شريفة  في طفولتهم في تلك الحقبة من الفقر والجوع والظلم والجهل والحرمان من التعليم فلا مجال للبحث عن العلم والمعرفة في ظل هذه اللوحة القاتمة، اذن على خلفية حرمان الحاج سالم وزوجته من التعليم في طفولتهم كانت ردة فعلهم جلية وواضحة اذا جعلتهم هذه الخلفية يدركون تمام الادراك ويصرون ‏على تقديم الغالي والرخيص ويبذلون ‏قصارى جهدهم على توفير كل فرص التعليم المتاحة لأولادهم وبناتهم اذ تصدرت أولوياتهم قائمة مهماتهم وكانوا يمضوا معظم وقتهم لتعليمهم، مسخرين انفسهم واموالهم واهتمامهم، لتعليم ابناءهم ذكورا واناثا.

 

واستحقت الزوجة شرف ان تكون بمثابة مدرسة كاملة وينطبق عليها قول الشاعر حافظ ابراهيم:

الأمّ مدرسة اذا أعددتها

أعددتَ شعبا طيّب الأعراق

 

 من هو هذا الانسان الطيب هذا العصامي الابي ...؟ انه ابٌ لاحد عشر فرداً، ثمانية أبناء، وثلاث بنات وتسطيع ان تقول ان وراء كل رجل عظيم امرأة وكانت تلك شريفة بنت عاطف جبران.

انه الحاج سالم اذن لنكن كلنا عصاميون كما كان، ليكن قدوتنا بالحياة من اجل هذا الوطن الذي عرفناه على مر العصور بعراقته وبتاريخه وثقافة شعبه وبحضارته التي كانت من أقدم الحضارات ومهدها، سيعود هذا الوطن كما كان وأفضل بالرغم مما الم به من محن وسفك دماء واحتلال وظلم، سيعود كما كان وأفضل مما كان عليه ايام العصامي الحاج سالم.

 

لنكن جميعاً الحاج سالم بما فيهم أبنائه وليأخذ كل منا صفة من صفاته، هذا يأخذ الكرم، وذاك يأخذ المثابرة، وثالث يأخذ العطاء، ورابع العمل الدؤوب، وخامس الاحترام، وسادس العصامية، وسابع عمل الخير ومساعدة الفقراء والمساكين، وثامن المعاملة الحسنة مع الاخرين.               

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حقوق الملكية الفكرية والطبع محفوظة للمؤلف