طفولـة بخليج عدن

 

 

   د. أحمد سالم الوحيشي

 

 

 

شـــكر

 

 

 

الحمد لله على نعمة إمكانية التأمل والكتابة. وأعبر عن عميق امتناني للوالدين الذين نشأوا في أعماق الريف وقسوة الحياة فيه ومع ذلك أدركوا أهمية التربية والتعليم واخذوا بيدي ووفروا لي كل الإمكانيات في سبيل العيش بحياة افضل. وخالص تقديري لزوجتي وأبني وبناتي وأزواجهم والأحفاد وكذلك الأصدقاء والعاملين معي للدعم والتشجيع في ان ترى هذه المطبوعة النور.

 

 

                  د. أحمد سالم الوحيشي

 

 

 

بداية حياة أسرة أبو مسعود في الريف

 

 

عائلة عربية  كمعظم العائلات العربية  الطيبة والبسيطة، في جنوب غرب الجزيرة العربية. الجهل والمرض عنوانها، وكذا حال الفقر والقهر والرعب من مستقبل مجهول من الممكن أن يحمل الكثير من الويلات والآهات، مصير لا يعرفه إلا خالق الكون الواحد الأحد. نعم مصير مجهول لكل من يعيش في تلك الفترة تحت أكثر من  معاناه، من  التخلف في الريف و احتلال  المستعمر لكل من ينطق بلغة الضاد، اللغة العربية.

باختصار احتلال من الأجنبي وبالتحديد الاحتلال الانكليزي في عدن. وتخلف في العادات والتقاليد التي عـفـاء  عـنها الزمان، بسبب النظام المتخلف في الريف الذي أراد آنذاك ان يبقى البلد متخبطاً على غرار ما كان عليه في القرون الوسطى، في الوقت الذي كنا فيه في القرن العشرين .

عائلة تحب الحياة كسائر البشر، تحب الحياه بالرغم من قساوتها وخاصة في ذاك الزمان المليء بالقهر في تلك الفترة اللعينة بالذات، والتي يصبح فيه الإنسان ضحية لمجرد ابداءا رغـبته في العيش بكرامة وحرية، فقط العيش بشكل أنساني مليئة كانت معدته أم فارغة، المهم إنسان يشعر بطعم الحرية في زمن سيء وعقيم كذاك الزمن، زمن ليس للمعاناة من الاحتلال الأجنبي فقط، وإنما القهر من قبل المحلي القبلي كذلك.

في ظل الصراعات السياسية والقبلية العشائرية، تمكن القادم من بعيد من ان يدنس  اقـدامـه على هذه الأرض الطاهرة، وبسط سيطرته على أهاليها الذين يرزحون تحت نير احتلاله الذي يغـذي خلافـاتـهـم.

عائلة تكدح منذ شروق الشمس وتستكين بغروبها وما بين الشروق والغروب مستمرة  في معركة الوجود (تكون أو لا تكون) والمعركة هذه غير متكافئة على أرض مكبلة بقيود الاستعمار والاستبداد  الاجتماعي، ارض لا مكان للحرية فيها وأهلها أصبحوا مهاجرين  من قسوة القمع والمعاناة.

هذا هو حال البلد انذاك  قليل من أهله متخم بما لذا وطاب وكثيرهم لا  يعرف طعماً للحياة والعيش بكرامة  مشغولون بالبحث الدائم عن لقمة العيش علها تساعدهم في الاستمرار  بالوجود يوماً اخر بالرغم  من الظلم والقهر الذي كان يتربص بهم  في تلك الفترة العصيبة  والتي أذاقت الناس الآمرين .

بالطبع  الشعوب العربية الاخرى  ايضاً تـرزح تحت نير الاحتلال والاستعمار و لم تــكــن أفضل حالا من شعــوب الجزيرة العربية، حيث كان عنوان هذا الاحتلال الظلم والاستبداد  وعدم الاعتراف بالحقوق،  فما بالك إذا كان الحديث يدور عن  الازدهار العربي ،  إذ  كان الاستعمار يحكم البلاد والعباد بقسوة  وبقبضة من فؤلاذ ، وكان الوطن العربي في تلك الفترة  بمعظمه من البحر إلى البحر يرزح تحت نير هذا الاحتلال والاستعمار  بكل تداعياته ومفرداتـــه .

هذا هو حال إحدى عائلتنا العربية التي سيـدور الحديث عـنـهـا، عائلة أبو مـسـعـود          و المؤلـفـة من الاب والأم وخمسـة  أبناء وأخت أرمل لها ولدين وبنت،  يعيشوا حالــة فـقـر وجـوعاً وبطالـة وقـهـر وظلم وقـمـع .

ابو مسعـود رب العائلة .....تائه ، حائر، قلق، خائف على الدوام  من يوم غد، تـائــه وحائر لأنه لم يقدر على فعل شيء: لتحسين وضع عائلته أو على الأقل ليطعمها وليهدئ الامعاء الخاوية لأطفاله الخمسة  والتي تسبب لهم  ألماً على مدار الساعة، وليغير سحنة وجوههم ذات  اللون الأسمر المشوب بالاصفرار  وعيونهم التي انزلقت إلى الوراء من الجوع والمرض الزائغة من المستقبل المجهول الذي  ينتظرهم  في هذا الزمن الغدار الذي تعيشه عائلتهم والكثير والكثير من العائلات الأخرى.

أبو مسعـود ذو قامة متوسطة نحيل  الجسد محني الظهر من حمله الثقيل حمل العائلة الجائعة،عيناه جاحظتان من الحيرة والتيه والخوف من مصيبة  مروعة (تكسر ظهره المحني) كرب عائلة نتيجة ظروفها اللانسانية التي تعيشها.

يروح ويجي في بيته الطيني في  ريف نائيٍ يـفـتـرش وعائلته  الأرض ويلتحفون السماء، لا يعرف أبو مسعـود طعماً للنوم بسبب القلق الذي يساوره على مدار الساعة يلقى نظرة سريعة على أولاده الخمسة،  يؤلمه هذا المنظر ، هياكل عظمية متحركة  والحزن يخيم على وجوهـهـم ، عيون جامدة وأفواه جائعة ، ومعدة خاوية بانتظار الفرج القادم، يلقي أبو مسعـود نظرته هذه  ويغادر المنزل إلى أين لا يعرف يتجه قاصدً الجبال ليقضي كامل نهاره هناك ، نهار ملئ بالدموع والحسرة  على حاله وحال أولاده  ولا من معين وليس باليد حيلة  ولا حول ولا قوة له إلا بالله.

أبو مسعـود يحب العمل ومستعد له مهما كانت صعوبته، لكن البطالة في ظل التخلف والاستعمار هي سيد الموقف . عن أي فرص عمل تتحدث (يا رجل) في ظل هذا الاستعمار  الأجنبي والاستعباد المحلي  والسنوات العجاف وارض يخيم عليها الجفاف ومواسم لمرة واحدة في كل عامين  بالكاد تطعم العائلة لاسابيع معدودات  في العام.

ابو مسعـود الفقير الذي أطلق على ابنه الأكبر اسم مسعـود لا يعرف طعماً للسعادة بل كانت بعيدة عنه بعد السماء عن الأرض لم يكن يوماً سعيداً إلا انه أطلق عليه هذا الاسم أملا  أن يبعث الله عز وجل السعادة له ، لكن هيهات لم يكن لا مسعـود أو سعيد ولا أشقائه  البقية سعداء ولم ترافقهم السعادة يوماً كما تمنى لهم والدهم. وإنما على  العكس رافقتهم التعاسة والفقر المدقع فترة طويلة من حياتهم، آه  ما أصعب دمعة الرجل آه  كم هو مؤلم  عندما يذرف الرجل الدمع والمؤلم اكثر ان يبكي الرجل بصمت  لأنه من المعيب ان يبكي الرجل أمام   أولاده، وان يشعرهم بضعفه أو  أن يستسلم لقدره ولمصيره. . لذا كان يقصد الجبل يومياً      و يجلس على قمته وحيداً  يذرف  دموعه ويصرخ و يبكي بحرية . ويشكو حاله لهذا الصديق الوفي ظناً منه انه هو الوحيد الذي يفهمه ويفهم واقعه المرير ويستقبل دموعه بكل رحابة صدر  لذا كان يبكي أمامه  بدون خجل. قاسية هي  دمعة الرجل لكن لا مخرج أمامه للترويح  عن نفسه،  الا من خلال الدموع التي يذرفها التي كان يشعـر أنها تـفـوق مياه  الابار والبحار حجما،  ويفرغها استعداداً ليوم أخر، يوم ملئ بالعذاب المرير من اللوحة التي تنتظره في البيت من طلبات صديقة عمره ، ومن طلبات ثمار حبهما الأولاد الخمسة والتي كان عاجز  عن تنفيذ حتى ولو طلب واحد منها.. والسؤال الذي  كان يرافقه أينما حل  ما العمل؟ أين المخرج؟  ماذا يجب عليه ان يفعل،  لا بل ملزم ومرغم لفعل شيء ما يغير هذا الوضع المأساوي الذي حل بهم، يجب فعل شيء، والإقدام على خطوة لإيقاف  الانهيار القادم ، لتفادي المصيبة التي تـقـتـرب منهم  يوماً بعد يوم ....يجب عليه البدء بالتغيير، تغير الواقع محاربة الخوف من المستقبل المجهول، مسـتـقـبـل دخل الجميع فيه في نفق مظلم لا يعرف احد نهايته إلا الواحد الأحد، يجب عليه تغير الواقع الذي يديره ويتحكم به كبير القبيلة وأسرته التي تملك  كل شيء  على الأرض، الحجر، والبشر . والسؤال من أين لهم هذه القوة. ما بك يا رجل انت بكامل قواك العقلية ؟.... ام تسخر منا ؟,.... من اين لهم هذه القوة ... القوة هذه يا سيدي مسـتـمـدة من مجمل النظام  المتـخـلــف  الجاثــم  آنذاك، على الشعب بجميع شرائحه الاجتماعية .

وعلى خلـفـيـة هــذه اللـوحـة القاتمة السواد والـتـشـاؤم عـنـوانها لـيس عـنـد أبو مـسعــود  فحسب  وإنما عند الغالـبـيـة العظمى من سكان الريف،  بدأت الهجرة الجماعية  الهجرة إلى المجهول بكل مغامراته وتحدياته التي لا يقدر على مقاومتها وخوضها الا الرجال أمثال أبو مسعـود وهم كثر في تلك الفترة  التي كانت  تحوم  فيها  فوق سماء الـبـلاد غـيـوم  التـخـلـف   والاسـتـعـمـار.

    

الـقـرار الحاســم

 

فكر أبو مسعـود  بمصير أولاده  وأولاد اخـته  الجائعـيـن غـذائيـا وتعليمياً وبين ليلــة وضحاها قـرر الرحيل والهجرة كباقي أبناء جلـدتـه بحثا عن لـقـمـة العيش التي لم يجدها على ارض وطنه المتخلف  في الريف والمحتل في المدينة،  عـله يجدها هناك في ارض الغربة ، لم يهاجـر بعيد ووقع الخيار على القرن الإفريقي  وبالتحديد مدينة اغـردات الاريترية  لتكون ملاذ له في هذه الفترة  من هجرته وبعد عذاب  مضن من البحث الطويل  عن مهنة أو حرفة  اختار التجارة مهنة له بالرغم من خطورتها في بلد الاغتراب و ما تخبئه من مطبات ومغامرات وأخطار وحرق أعصاب لمن يزاول هذه المهـنـة الصعـبـة التي تتطلب الجرأة  والشجاعة والشطارة في أن واحد،  فـمـا بالك بابـو مسعـود القروي البسيط القادم  من الريف الذي لم يغادره طيلة حياته حيث كانت حدود قـريته حدود العالم بالنسبة له وفجأة نراه في ارتيرية وتاجر أيضاً   بكل تحـديات هذه المـهـنــة  .

مهـنـة ليست سهلة على أبو مسعـود للصعوبات التي يواجهها   المغتربون في غربتهم بشكل عام  بدءاً من صعوبات التحويلات المالية إلى الوطن مروراً باستلام هذه الأموال إن افلحوا في التحويل في ظل غياب نظام مالي منظم للتحويلات المصرفية وخاصة في الريف  الذي كان يعمل بنظام الحوالات ، وانتهاءً بخطورة الإدخار في بلد الاغتراب، بالطبع لم يستلم الأولاد  المقيمين في الريف النائي من والدهم أموال تذكر او لنكن منصفين كانوا يستلموا جزءا يسيرا منها لصعوبـة التحويلات.

لـم يهاجـر أبو مسعـود هربا من واقعه لوحده بل أصبحت في تلك الفترة الهجرة ظاهرة جماعية وهذه  الهجرة كانت من مصلحة المستبد قـبـلـيـاً والمستعمر الأجنبي ، لان في هذه الهجرة ضعف للمقاومة، وما يحولوا المهاجرون من أموال لعائلتهم يصادر وينهب  في منتصف الطريق قبل وصوله  إلى هذه العائلة او تلك  من قبل من يدير البلاد ويتحكم بالعباد أي من قبل مغتصبي الوطن  لأنهم هم من يسنون القوانين وهم من يخالفونها.

باختصار. (لصوص محميون  بأعرافهم الاجتماعية ومحصنون بتشريعاتهم التي أصدروها بأنفسهم ولنفسهم بالذات)، الا يكفي المعاناة  بين الهجرة والغـربة ويضاف إليها  أيضا  مصادرة أموال المغـتـربـيـن آنـذاك .

 

المصائب لا تأتي فرادى

 

بعد سفر أبو مسعـود بعدة أشهر  توفت زوجته وأصبح الأولاد بدون ام ترعاهم  الأمر الذي اضطرهم للانتقال الى دار العمة  للعيش معها، التي ليست بأحسن حال من أخيها اذ انها هي الأخرى أرملة ولديها ولدان وبنت  وبين ليلة وضحاها ازداد عدد  أفراد العائلة الجديدة  ليصل إلى ثمانية  وتقلص العدد إلى سبعة  بعد وفاة ابنـتـهـا طعـنـنـاً بالخنجر (يسمى الجنبية) ويأتي ضمن  الحزام  الذي يلبسه الرجال باستمرار على حاصرتهم وهو السلاح الابيض الى جانب البندقية سلاح الرجال الناري الذي يـحملـه على كـتـفـه وذلك في لـحـظـة  غضب من قبل احد أخوانها.  ولـشـحـة العيش وعدم مقدرة العمة الأرملة على  تقديم لقمة العيش لولديها ولأبناء أخيها. لذا دفعتهم العمة والواقع الحياتي المرير للعمل مع الآخرين، والأصح للعمل عند  الآخرين في القرية كأجراء أي كرعاة للأغنام وهذا ما حرمهم مستقبلهم التعليمي بعد حرمانهم من والدتهم. إذن حرموا من مستقبلهم التعليمي الذي كان محدودا في القرية هذه بالذات حيث كان ينحصر في تعليم القران الكريم وحتى هذه المدرسة لم يدخلوها لانشغالهم في رعي الأغنام منذ ساعات الفجر الأولى وحتى الغروب أي من الظلمة إلى الظلمة.

أما طعامهم فكانوا يشربون حليب الأغنام خلسة أثناء رعيها، وما زاد من صعوبة العيش ان الزراعة في الريف كانت تعتمد على الأمطار التي قلما كانت تهـطـل في هذه المناطق.

 صادفت هذه الطفولة المأساوية مع مواسم الجفاف الذي حلت بالبلاد آنذاك. واقتصر قوتهم  أي قوت الرعاة  على حليب الأغنام الذي كانوا  يشربونه خلسة  في النهار. أما اللحم فحدث ولا حرج،  إذ أنهم لم يذوقوه الا نادراً  لذا عندما تلد  الغنمة في وقت الرعي يقدمون على تخبئة  احد الخراف المولودة خلسة لأكله مستقبلاً أما اذا تمت الولادة في دار سيدهم مالك القطيع فلا مخرج أمامهم  لان السيد المالك يسجل عدد رؤؤس الأغنام  المولودة والويل للرعاة اذا نقص هذا العـدد لانهم هم المسؤولون الوحيدون عن هذه القائمة.

أين يخبون الخروف في حال اذا تمت الولادة أثناء  الرعي ، جرت العادة أن يخبأ في احد الكهوف حيث يربط  بوتد وتغلق جميع مخارج هذا الكهف وذلك خوفاً من هروب الخروف او اكتشاف أمره ويقومون بتربيته وإطعامه بشكل سري حتى الامتلاء لأنه هو المصدر الوحيد لتغذيتهم  لأيام  سوداء  هم على موعد معها مستقبلاً. إذً  عندما يمتلئ الخروف يذبحونه ويملوحونه  ويصبح زادً  شهياً إلى جانب الحليب الذي يرضعـونه من الغـنمات مباشرة  إلا في بعض المواسم  التي  لم  تكن هذه الغـنمات  مدرارة للحليب خلالها،  كونها لم تلد وبما ان  هؤلاء الأطفال عاشوا في مواسم الجفاف وشحة الأمطار وانعدام المحاصيل الزراعية من الحبوب وهي الزراعة الأساسية والرئيسية في الريف  العـربي ولا بديـل لها، وكذلك بسبب العـوامل الطبيعية وصعوبة الأرض جغرافياً فقد كانت كمية الحبوب قليلة ونادرة، وفي مثل هذه الأحوال جرت العادة في الريف  لـحـفـر حفرة في الجبل الصخـري كان يطلق عليها اسم (المدفـن)  لاستخدامه في تخزين الحبوب لحين حلول موسم الزراعة القادم، وكذلك يتم اللجؤ إليه  في وقت الـقـلـة والشح، تخزن هذه الحبوب في المستودعات الصخرية وتغـلـق بأحكام  لمنع التهوية وعدم  دخول البكتريات  وبالرغم من إتخاذ كل هذه التدابير و الاحتياطات  يصاب جزء من هذه الكميات بالتسوس، وعندما يلجأ شيخ القبيلة إلى فتح مستودعه الصخري هذا  للاستعانة به يكون نصيب الأسرة الفقيرة، أسرة  العمة الأرملة وأطفالها القمح الذي أصابه التسوس وعند طحن هذه الحبوب وعجنها وخبزها تحصل على رغيف ساخن اسود تفوح منه رائحة التسوس.

جهل، فقر، امراض سارية ومعدية، تسببت بوفاة  اثنين من أولاد أبو مسعـود التي ترعاهم العمة الأرملة وهذه هي مصيبة أخرى تلحق بالعائلة نتيجة الأوبئة كالطاعون والسل وغيرهما من الأمراض المعدية في ظل الغياب التام للخدمات الطبية وبقي ثلاثة منهم في حضنها إلى جانب ولديها،  ولا تأتي المصائب منفردة بل  الواحدة  تلو الأخرى  إذ حدث المصاب ا الجلل، المصاب الأليم  حيث تلقت العمة والأولاد نبأ وفاة والدهم أبو مسعـود في المهجر وهنا الطامة الكبرى ، الا يكفي أنهم في فـقـر متقع  وها هم يتامى أيضاً.

  بدأ الأولاد يفكرون  بتركة الوالد وبالثروة التي من الممكن ان يكون قد  تركها لهم وقرروا  انه يجب عليهم السفر إلى البلد الذي كان يعمل فيها  والدهم  أي إلى ارتيريا  للحصول على التركة المفترضة  وبداوا  يحلموا بمستقبل زاهر، مستقبل ينسيهم  عذابات الماضي المريرة  وبنفس الوقت بدا التـنـافـس  بينهم على  تـركــة الوالد  وبداوا يخططون  لمغادرة القرية أملاً بحياة أفضل. برز السؤال من يذهب لجلب الميراث؟ واخيراً قرروا أن يذهبوا الاثنين الأكبر من الإخوة ومعهم واحداً من أبناء عمتهم. وتخلف أخوهم وابنة عمتهم الأصغر سناً الذي أؤكل لهم العناية بعمتهم العليلة.

الخطوة الأولى مغادرة القرية  إلى ميناء عـدن، (لان السفر إلى ارتيريا في تلك الفترة       لــم يكن سهلاً على الإطلاق ) اذ يستوجب قطع البر وثم الإبحار من ضفة الجزيرة العربية إلى ضفة القرن الإفريقي وهذا ليس بالأمر السهل ، اذ انه ملئ بالمغامرات والتحديات في الانتقال من القرية إلى مدينة عـدن، ولا يمكن تحقيق كل ذلك إلا من خلال العبور  بالمحميات البريطانية من السلطنات الممتدة على طول خليج عدن، وثـم المغامرة الكبرى اذ يجب عليهم ان يركبوا أي سفينة من مستعمرة عدن البريطانية، التي كانت تمثل ثالث اكبر ميناء في العالم بعد مينائي ليفربول ونيويورك من حيث حركة السفن والملاحة بشقيها الشراعية المصنوعة من الأخشاب  والسفن الكبيرة البخارية المصنوعة من الحديـد.

حالفهم الحظ وتمكنوا من السفر مع سفينة شراعية والتي لم تكون  آمنه على الاطلاق  وقد تتعرض للغرق في أية لحظة، لانها  لم تكن مجهزة  لمقاومة الرياح والعواصف التي كانت ضيفاً  دائماً على تلك المناطق. استمرت رحلتهم هذه يومين  واجهوا خلالها الموت أكثر من مرة وتعرضوا للمخاطر ليلاً  نهاراً وعانوا كثيراً  من الجوع والمرض والعطش، لكن هذه الأيام  الغنية بالأحداث كانت بالنسبة لهم   بمثابة تجربة  حياتية فريدة من نوعها حصلوا خلالها على خبرة جديدة،  وانقلبت فيها حياتهم رأساً على عقب،  اختلف فيها كل شيء بالنسبة لهم حتى الـغـذاء..

 هناك على  الأرض حبوب وحليب من ثدي الأغنام  وخراف مملحة ، اما هنا في عرض البحر فالوجبة الأساسية والوحيدة على مدار الساعة هي الأسماك بجميع أنواعه  ومياه مالحة أو شبه مالحة بعد إجراء عملية معالجة لـها أي عملية التقطير. لتنقيتها من ملوحتها كي تصبح مياه عذبة صالحة للشرب.

بالموازاة مع تجربتهم الحياتية الجديدة تعرفوا أيضاً على الصداع  من جراء  دوار البحر وكذلك على الغثيان والاستفــراغ  الدائمان  ولكن بعد مرور فـتـرة قصيرة  تأقلموا مع  كل هذه  الظروف الجديدة  التي لم يعيشوا مثلها  على الأرض وانتهت الرحلة بسلام.

 

 

الوصول إلى ارتيريا.

 

وصلت  السفينة الشراعية التي نقلتهم في نهاية المطاف إلى  ميناء (عصب)  الايريتري في القرن الإفريقي  الذي كان جزءاً من الإمبراطورية الحبشية  التي كانت تقع تحت نير الاستعمار الإيطالي آنذاك. .

هم  الآن على موعد مع مغامرة جديدة تتحداهم  وهي كيفية الانتقال من عصب إلى أسمرة  العاصمة الايرتيرية.  غرباء هنا،  بدون مال بدون غذاء ناهيك عن  أنهم بدون المام بلـغـة  الـبـلـد كل هذه  الصعوبات تتحداهم  وبقوة ،  لكنهم أبناء ريف أيضاَ هم يتحدون الصعوبات والمصائب ومصممون على  تنفيذ المهمة  التي جاءوا من اجلها،  رجال وبكل ما تعني هذه الكلمة من معنى  بالرغم من صغر سنهم،  توكلوا على الله وساروا على هذا الدرب الصعب  وتحملوا المشقات ووصلوا إلى أسمرا بعد جهد جهيد.

وفور وصولهم حالفهم الحظ والتقوا مع مهاجرين من أبناء جلدتهم ، من مهاجرين بالتحديد من أبناء منطقتهم  بالذات، الأمر الذي  سهل عليهم الكثير من المصاعب،  تحدثوا لهم عن هدف  وصولهم المتمثل في زيارة قبر الوالد، والتي هي بداية المشوار  ومن ثم السؤال عن عمله السابق وماذا ترك لـهم من مال واصول أن كان يملكهما  وبعد حديث مطول ابلغوهم أن المرحوم والدهم كان يعمل في مدينة اغردات  الأيرتيرية وتوفى هناك ودفن في مقبرة هذه المدينة، شدوا الرحال إلى هذه المدينة حيث كانت  معركة أخرى من العذاب  والشقاء في انتظارهم. فمنذ مغادرتهم القرية وخلال هذه السفرة الطويلة الشاقة والمسافات الطويلة التي قطعوها براً وبحراً كانوا يعيشون حلماً واحداً راودهم باستمرار هو حلم الحصول على التركة وايجابيات هذه التركة بدءً من تسديد نفقات هذه السفرة اللعينة  التي أرهقتهم مروراً بحياة أفضل وانتهاءً بانتقالهم من الفقر إلى الغناء. لكن وأسفاه كان هذا الحلم حلماً من السراب،  وكانت المفاجأة  عندما قيل لهم: ان متجر والدهم نهب وآخرون قالوا لـهم ان والدهم لم يملك يوما ما متجر، والحديث عن متجر واموال هو هــرا في هـرا.

  قصدوا قبر الوالد وجدوه، قراءوا الفاتحة على روح المرحوم والدهم نظفوا قبره، تبددت الأحلام واندثرت الآمال حيث لا  تركة ولا أي ورثة وعبثاً خاضوا هذه المعركة، معركة الهجرة والبحث عن تركة أبيهم  التي لا وجود لـها أصلاً، قرروا العودة إلى أسمرا. أذ عندما كانوا  في اسمرا أثناء رحلة البحث عن التركة جالوا فيها وخلال تجوالـهم  لاحظوا امكانية الحصول على فرصة عمل  بمساعدة  أبناء منطقتهم الذين يعملون في هذه المدينة المكتظة بالقوات الايطالية والتي تنحصر مهمتها في قيادة عمليات قوات المحور المؤلف من ألمانيا وأيطاليا. وفي نهاية رحلة البحث عن فرصة عمل استــقــر بـهـم الحال  في اسمرا، حيث    وجدوا فرصة عمل لدى القوات الايطالية كأجراء في معسكراتهم، ومن ايجابيات عملهم  مع الطليان خلال هذه الفترة  انهم تعلموا اللغة الايطالية  وبدوا يتحدثون بها زد على ذلك انهم  كانوا ياكلون ويشربون ضمن التمويل  لمعسكرات الطليان،  و كذلك كانوا يسكنون في اقبية  الثكنات العسكرية  بمدينة اسمرا.

 

 

 

 

 

 

 

عذابات الحرب العالمية الثانية

 

كانت تدور رحى هذه الحرب بين معسكرين:  قوات  المحور ( الألمانية والايطالية) من جهة وقوات الحلفاء (الأمريكية، البريطانية والروسية ) من جهة أخرى، وكانت الطائرات البريطانية تشن غاراتها الجوية ضد القوات الايطالية المتمركزة في أسمرة  منطلقة من عدن وترمي  بأطنان من القنابل على رؤوس الطليان والشعب الايرتيري  والمهاجرين العرب  بمن فيهم  فتياننا  الذين كانوا رعاة للأغنام  بالأمس القريب وأصبحوا عمالاً لدى قوات المحور، وشاءت الأقدار ان ينجوا من القصف  ويمد الله بأعمارهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبهزيمة قوات المحور تلاشى دور القوات الايطالية في  أسمرا مما أدى إلى ان  فقدان الفتيان والكثير من المحليين والمهاجرين عملهم الذي كان ينحصر بتقديم الخدمات للمعسكر، لذا قرر الفتيان الثلاثة  بعد ما شاهدوه  من دمار في هذه المدينة ، وبعد أن عجزوا  في إيجاد فرصة عمل أخرى ، قرروا العودة إلى ميناء عدن لعلى وعسى ان  يحالفهم الحظ هناك، وشدوا الرحيل على السفن الشراعية التي نقلتهم إلى عــدن  و تكررت نفس المعانات للبحر،  بعد وصولـهم فوجئوا بازدهار الميناء في عدن وتطوره، و كان هذا الازدهار والتطور  مرتبط ارتباطاً مباشراً بانتصار المستعمر البريطاني كأحد حلفاء قوات التحالف (الأمريكي البريطاني الروسي) الذي شارك في هذه  الحرب مشاركـة فعالـــة.

 

مرحلة التخبط والتنقل بين أعمال عديدة

 

بعد وصولهم إلى عدن وجدوا فرصة عمل في احد مطاعم  هذه المدينة والذي كان يملكه احد التجار من أبناء قريتهـم في الريف، وكان هؤلاء الفتيان الثلاثة بمثابة شاهد حي على عملية الازدهار السريع والتقدم والتطور في ميناء عدن وكانوا يسمعوا أحاديث رواد المطعم   التي تدور حول أن هناك الكثير من فرص الكسب  السريع بدءاً  من قطاع الخدمات في القاعدة البريطانية المتنامية،  مرورا  بتقديم الخدمات للسفن العسكرية  والمدنية التجارية، كتزويدها بالمواد الغذائية أثناء إبحارها ذهاباً واياباً من اوروبا إلى منطقة الشرق الأقصى عبر قناة السويس وميناء عدن وتجارة الصرافة للقادمين على السفن  وانتهاءً بفرص العمل  في متاجر عدن التي أصبحت سوقاً  حرة  للبضائع والمنتجات المستوردة  من جميع إنحاء العالم والتي يعاد تصديرها إلى مناطق أسيا وإفريقيا عبر ميناء عدن أيضاً.

         عندما ذهب مسعــود وأخيـه سعيد مع ابن خالتهم إلى الحبشة ذهبوا للبحث عن تركة والدهم وكانوا يطمحوا إلى الثراء لذلك بعد عودتهم إلى عدن عادوا حالمين ولم يقـتـنعوا بالوظيفة واختاروا العمل الحر ولذلك خاضوا غمار التجارة تقريبا بـدون رأس مـال يــذكـــر      إلا القليل مما عــادوا بــه مـن المهجــر.

 كما ان عدن كانت مدينة ديناميكية وتـنـمـوا لتلحق بالمدن العصرية في العالم وتنافسها، ولذلك كانت مدينة تصهر القادمين اليها في بوتقتها الطموحة، فاختار الأخوين التحدي مستندين إلى خبرة اختلاطهم بالطليان والاريتريين اثناء الهجرة إلى افريقيا في حين ان ابن عمتهم  فضل العودة للعيش بالقرية واكتفى بزيارة عـدن سنوياً لاستبدال سيارته التي يستهلكها في المرتفعات الشاهقة سريعاً كونها تشق طريقها بين الصخور لغياب طرقات معبدة في الريف، أما مسـعـود وأخيه سعيد كانوا أكثر استعـداد ليذوبـوا في النسيج المجتمعي لمدينة عـدن الكوزموبوليتنية ويتكاملوا مع سكان عـدن وخلقوا علاقات عمل تجارية مع ذوي الأصول الأسيوية والإفريقية وأهل البلد الأصليين العرب وغيرهما بما فيهم اليهود، والذي اشترى مسعـود من أحدهم الشارع الذي فيه بيته في دكـة المعلا بالكامـل، فعملوا جادين وكان لهم إسهامهم في النشاط  التجاري الذي كان في عـدن.

عندما كانوا في  مرحلة الشباب المبكرة  قرروا خوض العمل الحر وبالتحديد العمل في مجال خدمة (تموين) السفن والبواخر الكبيرة التي كانت ترسو  في ميناء عدن ، اختاروا مهنة تصريف العملة  لتكون الخطوة الأولى في عملهم الجديد المليء بالمخاطر، وبما انهم           لا يملكون الرأس المال الكافي لإستجار مكتب على اليابسة اضطروا لإستئجار قوارب صغيرة  لمزاولة عملهم هذا للوصول إلى السفن في عرض البحر، كما  يتطلب الامر  التسلق إلى سطح  السفينة الراسية في الميناء من خلال استخدام الحبال بعد تثبيتها بأعمدة السفينة  والتسلق عليها، وكذا الحال للأكياس، هي أيضاً كانت تلعب دوراً  أساسياً  في تنفيذ هذه المـهمة لان الأموال توضع في الأكياس تفادياً  من تبللها وفقدانها في حال سقوطها أثناء عملية التسلق من القارب إلى سطح الباخرة، وكانت الروبية الهندية هي العملة المتداولة آنذاك لان عدن كانت جزء من المستعمرة الهندية البريطانية. ثم  بعد استقلال الهند، اعتمد بدلاً عنها  الشلن الشرق افريقي وللترويج للعملة الجديدة، كانت الإذاعـة تبث أغنية مطلعها (خـذ الشلن واصرفـه سنتات اما زمان الربية قـد فـات). 

هذا الميناء  هو الأخر أصبح بالنسبة لسعيد كمنزله ويعرف كل شبر فيه كمعرفته أصابعه  الخمسة وكانت تجارتهم مربحة لكنها كانت محـفـوفـة بالمخاطر بنفس الوقت، تجارة مربحة بدون أي تكاليف تذكر ، و بالمقابل  كانت مليئة بالمغامرات وحرق الأعصاب لأنها  تجارة غير  مرخصة، حيث القي القبض عليهم أكثر من مرة  من  قبل الشرطة البحرية.  سجنوا            و تعرضوا للضغوطات، وبعد دفع الرشوة اللازمة يفرج عنهم ، معركة كرّ وفرّ  على مدار الساعة كانت تدور بينهم وبين الشرطة البحرية إلا ان الرشوة كانت تفعل فعلتها في كل مرة،  بالرغم من ازدياد تعرفتها يوماً بعد يوم ناهيك عن المعاناة التي كانت تنتظرهم  أثناء عملية التسلق، وفي إحدى هذه العمليات (الشاقة) أي عملية التسلق والتصريف،  رست  ذات مرة سفينة ضخمة جداً في ميناء عدن  من أضخم السفن التي رست في هذا الميناء منذ تأسيسه. سعيد اعتاد على التسلق والصعود على جميع السفن بحيث  أصبحت هذه المهمة بالنسبة له أسهل حتى من رعي الأغنام،  إلا انه في  هذه  المرة إما إنـه كان متعب أولم يلاحظ ضخامة وارتفاع السفينة التي رست للتو في  ميناء عدن، ولم يتوقع أن مستوى ارتفاعها عن سطح البحر اكبر بكثير من مستوى ارتفاع تلك السفن  التي اعتاد على تسلقها سابقاً ولم يدرك خطورة التسلق، إلا أثناء عملية التسلق التي طالت أكثر من المعتاد ، وبعد قطع مسافة لا باس بها شعر بالتعب الشديد وبدوخة مفاجئة نتيجة الارتفاع الشاهق الذي لم يكن في الحسبان،  وهنا أدرك  تماماً انه لم يعد باستطاعته متابعة التسلق وقرر  السقوط القسري، وبما انه كان يمسك بالكيس الملئ  بالمال بأسنانه لـم يستطع  التحدث وابلاغ أخيه الذي ينتظره في القارب بضرورة الابتعاد قليلاً كونه يمسك الكيس بأسنانه ، ورمى بنفسه فجأة وبدلاً من سقوطه في مياه البحر سقط في القارب مما أدى إلى كسر عدد من أضلاعه، وأصيب ببعض الجروح وسبح في دمائه التي اندفعت من جسده كالشلالات  فاقداً وعيه اثر سقوطه من هذا الارتفاع الشاهق وأصبح طريح الفراش لعدة أشهر.

بعد شفائه أضطر للعودة إلى نفس العمل كون هذه الفرصة متاحة له في مجال الصرافة، وبنفس الاسلوب، وبنفس المعاناة والمغامرات، واجــه سعيد تحديا جديدا على سطح إحدى السفن الايطالية  حيث الــتـقـى  بفريق من البحارة  الطليان، كلهم عمالقة، والوشمات مرسومة على اجسادهم، يخيل للمرء انهم مافيا حقيقية – عصابة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، وكون سعيد يتقن التحدث باللغة الايطالية  من تجربة عمله في اسمرة، بدأ المتاجرة مع هذا الفريق، وكانت نتيجة مفاوضاته معهم، ان عرضوا عليه اسعاراً مغرية، تفوق اسعار الصرف المعتاد، وافهموه ان لديهم مبالغ كبيرة، إلا ان البحارة تحججوا ان المبلغ ضخم وليس باستطاعتهم تنفيذ عملية التصريف على سطح الباخرة  أمام الجميع، مما يتطلب من الشاب سعيد ان يذهب معهم إلى غرفتهم الواقعة في الطابق السفلي من الباخرة.

فكر سعيد قليلاً، تردد في البداية، إلا ان هامش الربح من هذه العملية أغراه، فقرر الذهاب معهم، وفي كل فترة  من النزول إلى أسفـل السفينة  يسألـهم سعيد اين غرفتكم؟ والجواب كان على الدوام : بقى طابق واحد ونصل، سألـهم عدة مرات   لكنه حصل على نفس الجواب، وهكذا دواليك. هنا سعيد قال بنفسه، ذاهب معكم حتى  ولو إلى جهنم، وتابع المسير وراءهم، لكن عندما  سمع ضجيج محركات السفينة، ادرك انه يقترب من قاع  السفينة  الذي يخلو من غرف الركاب، فما بالك، وكان الحديث يدور عن غرف البحارة. وادرك انـهم يريدوا القضاء عليه ونهب المال الذي لديه، هنا بدأ يفكر بالهروب بشكل جدي مهما كلفة الأمر، وكيف له أن يهرب من مخالب هؤلاء الوحوش الكاسرة، كيف لسعيد النحيف الهزيل الذي خرج مؤخراً من العلاج الذي أستمر عدة أشهر، كيف له ان يهرب، هنا شعر بالورطة، شعر بالمصيدة. في ذلك الوقت كانت سفن القرن الماضي لا تعرف نقل البضائع بالحاويات وإنما كانت تنقل البضاعـة بأكياس من القماش، وهذه البضائع كانت تـــعــلـق بحبال وتـنـقـل بالرافـعـة. أيــقـن سعيد ان  الـهروب أفضل من خلال الامساك بهذه الحبال  لتأخذه الرافعة إلى سطح الباخرة بسرعة      لن يستطيع البحارة الطليان الالحاق به،  هـنـا عرض عـلـيـهــم شراء  السلاح، كما ولو انه يتاجـر بالسلاح أيضاً  وخلال ما كان البحاره  منشغلين يتشاوروا بشأن المعـلـومـة الجديدة التي فأجاتهم، امسك سعيد  بحبال الرافـعـة لتأخــذه إلى أعلى السفـيـنـة، وفي سطح السفينة التقى البحارة مرة اخرى واستفسروا  سـعـيـد عن السلاح، أين هو؟ أشار إلى ما بين ساقيه  وضحـك وضحكــوا.

أعمال مخـتـلـفـة حتى اسـتـقـر بـهـم الأمــر

بـتـجــارة الـخــردة  

 

الاشقاء الثلاثة مسعـود الأخ الأكبر، وسعيد الأوسط وعبد القوي الأصغر الذي التحق بهم  من الريف، مارسوا أكثر من مهنة، وامتلكوا مستودعاً  لخزن البضائع بالقرب من مرسى السفن  الشراعية الذي كان  يطلق عليه اسم (دكة الغاز)، وفي نهاية المطاف اختاروا تجارة الخـردة.

في هذه الفترة كانوا يسكنون في الشارع المقابل للمستودع، حيث استأجروا منزلاً في الشارع الذي كان يملكه أحد التجار من الاقلية اليهودي، وذات ليلة جاء سارق إلى المستودع ولمحـه مسعـود من سكنه المقابل، للمستودع فخرج من المنزل وركض خلفه وليس على جمسه الا منشفه يستر بها عورته ولكنها من شدة الركض وقعت منه وواصل مسعــود الركض عارياً وعندما راه السارق كذلك فرط من الضحك ووقع  عـلـى الأرض  فامسك به  مسعـود وانهال عليه  بالضرب الشديد حتى يكون عبرة لمن يفكر ان  يسرق من مستودعـه.

كما انه من  النوادر الظريفة عن مسعـود انه إذا اتى تاجر ليطلب منه تسديد دين لـه وهو  في ظروف لا يستطيع فيها تسديد الدين، فيبادر  إلى افتعال عراك مع اخوانه سعيد وعبد القوي مما يضطر التاجر القادم إليهم بالانشغال بفض العراك وصرف النظر عن المطالبة بالدين او تأجيل ذلك إلى وقـت أخـر.

بدأت تجارتهم تتطور بشكل سريع، هنا بدأ كل واحد من الأخوة بزيارة القرية التي ولدوا وترعرعوا فيها، وكان الهدف من هذه الزيارات هو اختيار زوجة المستقبل اختار كل منهم  رفيقة عمره واتوا بهن إلى مدينة عدن للعيش سوية، وبناء العش الزوجي، وسكن الأشقاء الثلاثة مع زوجاتهن في البيت الصغير الذي استأجروه، واجروا عليه بعض الإصلاحات والتعديلات، حيث قسموه  إلى ثلاثة غرف بقواطع خشبية ليتسع للجميع، وبقيت صالة مشتركة ببابين على المطبخ والحمام.  

ولادة الأبــن  البـكـر لـسـعـيـد

 

كانت من العادات في الأرياف نظراً للظروف الصعبة ان يـزوجـوا البنات في سن مبكر ويشترطوا على الزوج ان لا يعاشرها حتى تصل سن البلوغ، وكان نصيب سعـيـد ان مر بهذه التجربة. وعلى عكس الريف حيث تلد النساء ابنائها في البيت  وكثير ما يتسبب ذلك بوفاة الطفل او الام او الاثنين معاً، ولدت زوجة سعيد ابنها في مستشفى خاص بالولادة في حي كريــتـر وكانت صحة الطفل وامـــه بعـد الولادة جيدة وسمى سعيد ابنه علي.  كما انه في الريف لـم تكـن توثـق  المواليد بعكس المدينة التي يوثق المستشفى الولادة ويتم تسجيلها من مكتب السجل المدني وتمنح على أساس ذلك شهادة ميلاد رسمية. ومن يحمل شهادة ميلاد مدينة عــدن يحظى  في المستعمرة البريطانية بامتيازات من ضمنها الدراسة في المدارس الحكومية لفترة ما قبل الجامعة. عادت الأم بابنها لزيارة الأهل بالقرية، مرض الطفل علي هناك ولعدم وجود خدمات طبية، فقد كان الطب البديل هو البخور ومن سؤ حظ علي ان امه التي كانت صغـيـرة السن واثناء ماهي تبخره ان وقعت منها إحدى الجمرات على فخذ علي  ليصبح المه مضاعـف من المرض الى جانب  الحروق  التي تركت علامـة دائـمـة عـلى جـسمــه .

بـوادر الخلافـات بين الإخـــوة

 

في إطار العمل التجاري اليومي (الروتيني) كانوا الأخوة يخـرجون في الصباح الباكر ويعودون من العمل في وقت متأخر، وبدأت الخلافات التجارية بين الأشقاء في المستودع، وبشكل موازٍ بدأت كذلك العلاقات تتعقد بين الزوجات في المنزل.

على هذه الخلفية بدأت المشاكل تؤثر سلباً على سير أعمالهم التجارية مما دفعت بهم الأمور إلى التفكير بضرورة تقسيم تجارتهم هذه.

وفي هذه الاثناء حدث خلافا تجارياً حاداً بين الأخ الأكبر/ مسعود وبعض الزبائن، انتهت بالمشاجرة واستخدام العنف واقامة دعوى قضائية ضد مسعود وصدر الحكم القاضي بترحيله من مدينة عدن (المستعمرة البريطانية) إلى الريف ، وتم  ترحيله إلى قريته الأصلية لـتـنـفـيـذ الحكم بالـنـفـي . كان لديه متسعاً من الوقت، ولا يعمل خلال هذه الفترة، ولديه من المال         ما يكفي، اذ كان شقيقاه يرسلان له كل الـنـفـقـات اللازمة. وذات مـرة وجـد في الحقل نـبـتــة الحشيش التي كانت منتشرة في ارتيريا فعـرفـهـا فـقـطـفـهـا وخلطها في التبغ وقدمها في الشيشة لبعـض  الرجال في قريته ممن يدخنون بهذه الطريقة  ليضحك هو وأفـراد القـريـة على تصرفاتـهـم بـفـعـل تأثـيـر الحشـيـش..

فراغ قاتل وأموال كثيرة، لذا قرر مسعود الزواج مرة ثانية لأن زوجته الأولى كانت تقيم في عدن، خلال فـتـرة تـنـفـيـذ الحـكــم.

بعد تنفيذ الحكم وبانتهاء فترة النفى، عاد إلى عدن بصحبة زوجته الثانية، وجرت عملية تقسيم أخرى للمنزل لإستيعاب الزوجة الثانية، هنا توترت الأمور أكثر، وكيف لا، زوجة ثانية لمسعود تدخل هذا البيت لتشعل نار الغيرة فيه، لتـكـسر التوازنات وتوئد التـفـاهـمـات بـيـن الأشقاء وزوجاتـهــن الأربـع.

بالطبع زوجتا سعيد وعبد القوي متعاطفتان كل التعاطف مع زوجة مسعـود الأولى، وذلك لسببين، اولهما عشرة عمر، وثانيهما خوفاً من إحتمال تكرار تصرف مسعـود من قبل  زوجيهما.

هنا توافقت مصالح زوجة مسعود الأولى مع زوجات الأخوين لينغصوا حياة  الزوجة الثانية وتعكير الجو الزوجي الجديد، تلخصت بالتالي: بالصدام مع ضرتها بالتعاون مع زوجتي الأخوين، بحيث تصل الأمور إلى حد العراك والمشاجرة أحياناً، وهذا ما حدث.

هنا بدأ مسعود يفكر بفصل السكن  واخراج اخويه وزوجتـيـهـما من الـبـيـت.  

كما ان مسعـود شعر بالغيرة عندما لاحظ ، انه أثناء تـرحـيـلـه القسري إلى الريف لقضاء محكوميته، تمكن الأخ الأوسط سعيد من أخذ زمام المبادرة في العمل التجاري و حل محل شقـيـقــه الأكـبـر من حيث تقوية موقعه،  وبناء العلاقات  الجيدة مع رجال الأعمال وجميع الزبائن، وحـقـق نجاحات في ذلك، وتعززت مواقعه كـتـاجـر، وكذلك ثـقـتـه بـنـفـسـه، خاصة وانه كان يتمتع بنفس الصفات التي كان يتميز بها الأخ الأكبر مسعـود، لكن الفرق ان سعـيـد لم يكن يسمح لأي خلاف تجاري أو شخصي مع زبائنه ان يأخذ الطابع العـنـيـف او ان يصل إلى المحـاكـم كي تكـون الفصل بين الاطراف.

 

حصل ما الذي كان منتظراً

 

         بدويات، فلاحات، وأميات وبنفس الوقت تراهن يلعبن دوراً مفتاحياً في تباعد وفض شراكة الأخوة التجارية، غريبات عن المدينة وحياتها، وتعقيداتها، ومسلوبات من أبسط الحقوق كما هو حال المرأة  في المجتمع الـعـربـي في تلك الفترة. معزولات عن العالم الخارجي، وكان يصل عزلهن إلى درجة أنه إذا حصل وضع استثنائي وخرجن من البيت واستـقـلـيـن السيارة العائدة إلى ازوجهن، يخرجن بعباءة تغطيهن من الرأس إلى اخمص القدم، زد على ذلك يتم تغطية نوافذ السيارة (بستائر سوداء اللون)، لحجبهن عن المجتمع، والسؤال كيف استطعـن لعب دور رئيسي في مسألـة فض الشراكة وذهاب كـل في سـبـيـلـه، تارة بسبب المشادات النسائية التي تصل بهن إلى العراك والمشاجرة والضرب بالأيدي، وتارة أخرى الشكوى للأقوى كل منهن تشتـكي لزوجها عن الأخريات وكل زوج  يعــود إلى منزله بعد يوم عمل مضني، ليخلد إلى الراحة، يفاجأ بزوجته التي اخذت قسطاً لا باس من الراحة طيلة اليوم، تقدم له تقريراً مفصلاً من النميمة عن زوجات أخويه، عـدا ذلك تبدأ كل زوجة، بشحن زوجها حول ان النجاح التجاري للشراكة بفضل جهــوده فقط، في حين ان الربح يقسم على الجميع، وانـه هو الذي  يشغل الشركة واخوتـه  يقاسمونــه الارباح، وان ما تجنيه يقسم على الثلاثة وإلى ما هنالك من تحريض ضد بعضهم البعض.

لكن كما هو معروف ان مفتاح الرجل عند النساء هو معدته، وعلى المرأة ان تهدئ الم المعدة، وتطعم الرجل، وكل ما تريده تحصل عليه من خلال ذلك.

كل هذه العوامل أدت ليس فقط إلى فض الشراكة وإنما إلى تفرقة الشمل، وغادر الأخوين سعيد وعبد القوي مع الزوجات والاولاد السكن الأصلي إلى بيوت مستقلة وبقي مسعود مع زوجتيه في المنزل القديم.

استمر النجاح التجاري للأخ الأكبر مسعود بعد الإنفصال عن اخويه، كونه كان أكثرهما خبرة، واحتفظ بعلاقات قوية مع زبائنه السابقين،  إلى جانب ميله إلى القوة  والبطش أحياناً في عمله التجاري وجعل من نصـيـبـه المخـزن التجاري المعروف، وكذا الحال نجح سعيد الأخ الأوسط في عمله التجاري أيضاً، بسبب المرونة في عمله وتصرفاته ووده لزبائنه وأصدقائه والخبرة التي اكتسبها أثناء نـفـي اخيه الاكبر، في حين ان نصيب الأخ الأصغـر عبد القوي كان أقـل من نصيب الأخوين الأكــبــرين، الأمر الذي لم يسمح له بانطلاق عجلته التجارية بشكل كافي لعدم توفر المبلغ اللازم لذلك، فقرر مغادرة اليمن والهجرة إلى السعودية للعمل فيها حيناً والعودة وإنشاء تجارة في عدن حيناً أخر.

واستمر مسعـود وسعيد بتوسيع وتطوير تجارتهما لتطال العديد من المجالات الأخرى حتى في الفترة التي بدأ فيها الكفاح المسلح ضد المستعمر في مدينة عدن واستمر ذلك حتى عشية الإستقلال التي اشتدت فيها المعارك بين المقاومة الوطنية والجيش البريطاني المستعمر          مما كان يؤدي الى ضحايا كثيرة وبالتحديد وسط المدنيين الذين اضطروا لمزاولة عملهم اليومي في وسط القتال والعمليات المسلحة، وعشية الاستقلال قتل مسعود وهو في طريقه في أحد شوارع المدينة أثناء معركة دارت بين المقاومة وقوات الإحتلال.  

                     

الاقـربـون أولى  بالمعــروف

 

على الرغم من ان شراكة العمل بين الاشقاء الثلاثة توقفت قبل عقد من تاريخ الاستقلال، الا ان سعيد إلى جانب مسؤوليته في تجارته واعالة اسرته التزم ادبياً تجاه اسرة شقيقه الأكبر مسعود المتوفي للتو، ساند اولاد المرحوم وقدم لهم المساعدة في إدارة تجارة والدهم وقدم لهم الاستشارات اللازمة وابداء العون لهم خاصة وان اكبر ابنـا اخـيـه لم يـنـه المدرسـة في تلك الـفـتـرة بـعـد.

كما والتزم بمواصلة تقديم الدعم المادي لأخيه الأصغر عبد القوي الذي واجه تحديا في غربته، وفي تجارتـه.

 

عندما بدأ سعيد بالعمل بمعزل عن اخويه، استأجر عدة منازل في أحياء مختلفة من المدينة وسارت الأمور على هذه الشاكلة لحين شرائه قطعة أرض محاذية للميناء الذي يعمل فيه، ومع مرور الزمن تمكن من بناء عدة مخازن تجاريــة في تلك الأرض بـهـدف توسيـع وتطويـر تجارتــه، وكذلك المسكن  الاخير للأسرة في الدور الذي  فوق المخازن.

 

الانـتـقـال  للسكـن في المـنـزل الـثـانـي

 

شاء الـقـدر ان يكون المنزل الثاني الذي انتقل إليه سعيد في حي (الروضة) الجديد، الذي قامت الإدارة البريطانية ببنائه آنذاك لذوي الدخل المحدود، وكانت كل اربعة عمارات مترابطة مع بعض، وتتوسطها السلالم، كانت الشقق في هذه المباني صغيرة الحجم وهي عبارة عن غرفة نوم واحدة وصالة ومطبخ وحمام، وكان لسعيد ثلاثة أولاد حينها. وكون الحي الجديد كان مخصصا لذوي الدخل المحدود، لذا كان معظم سكانه من المهاجرين الجدد القادمين من القرن الأفريقي وشبه القارة الهندية، وكان هذا الحي يقع على إحدى التلال المطلة على الميناء، إلا ان هذا الحي (الجديد) كان يـفـتـقـر او لـنـقـل لم يتم  توفـيـر كل المرافق الخدمية لـه، إذ انه لم يتم بناء مدرسة فيه، لذا كان سعيد مضطراً لإرسال اولاده إلى إحدى (الكتاتيب) لدراسة القران على الأقل، وكان مدرس القران من أصل صومالي، فإلى جانب تعلم الأولاد للقران، تعلموا او تعرفوا على اللغة الصومالية، وهذا ما ساعدهم على الانفتاح على ثقافات أخرى واجناس مختلفة، وعندما بلغ الأبن الأكبر علي، السن الذي يخوله الالتحاق بالمدرسة الابتدائية كان الاب يصحبه معه صباح كل يوم عندما يتوجه إلى العمل لإيصاله بسيارته إلى الحي المجاور – حي المعلا - الأقرب إلى ساحل الميناء للدراسة في المدرسة الابتدائية التي تقع  هناك.               

وكان يعود بعد الظهر لإيصال ابنه إلى البيت بعد انتهاء التعليم في المدرسة.

لم تسمح ظروف العمل لسعيد من تنفيذ هذه المهمة بشكل منتظم، لذا كان الابن علي يضطر الى العودة إلى البيت وحيداً سيراً على الاقدام من حي المعلا إلى حي الروضة، حيث كان يستغرق هذا المشوار قرابة الساعة. ومن فوائد العـودة مشياً انها كانت تسمح له مشاهـدة  الاعراس التي تقام في سراديب في شارع المدينة، حيث لم يعرف الناس في  ذلك الحين  قاعات الافراح.  

لم يكن لدى سعيد الوقت الكافي لتناول وجبة الفطور صباحاً لأنه كان يذهب إلى العمل في وقت مبكر، ويجب عليه إيصال ولده إلى المدرسة قبل بدء العمل، لذا كان يخصص لإبنه مصروفاً يومياً لتناول الفطور في مقصف المدرسة (كشك الوجبات السريعة في حرم المدرسة)، وصادف ان مدرس الصف الأول الإبتدائي وتحديداً الفصل الدراسي الذي يتواجد فيه الطفل علي، كان يحضر صندوق من الحلوى يوميا، ويرغم التلاميذ - تلاميذ صفه - ان يشتروا بكل ما لديهم من مصروف الجيب المخصص للفطور تلك الحلوى  التي يصطحبها من بيته والتي كانت زوجته تقوم بتحضيرها في المنزل كل يوم، بحيث تحول الصف إلى حانوت لتلاميذه ، وكان علي وزملاؤه يضطرون لشراء هذه الحلوى من المدرس مجاملة له دون علم إدارة المدرسة بذلك. وعندما يخرج علي إلى فسحة المدرسة خلال الإستراحة بين الحصص الدراسية، يشعر بالألم والحسرة لان تلاميذ الفصول الأخرى يشترون بمصروفهم من مقصف المدرسة ما يرغبون من المأكولات، أما هو وزملاؤه في الفصل مجبرون على شراء تلك الحلوى يومياً التي يبيعها لهم أستاذ الفصل الدراسي.

ومن الذكريات التي حفرت في ذاكرة الطفل علي اثناء سكنه في الحي الجديد المخصص لذوي الدخل المحدود، ان علي كان يعاني من مشكلة ان الحي ملئ بالكلاب الشاردة، حيث نباحها طوال الليل كان يحرمه من نوم هادئ، وكان يلاحظ كيف كان والده وبعض الجيران يلاحقون هذه الكلاب لإبعادها عن سكنهم تفادياً لانقضاضهم على أطفالهم. ونباحهم طيلة الليل التي تحرمهم نومهـم.

في عطلة الاسبوع كان سعيد يأخذ ابنائه لممارسة السباحة ومرة يأخذهم إلى كريتر، حيث يوجد حوض سباحة بالمقاسات الدولي، ومن حوض السباحة يشاهد علي في قمة الجبل  المجاور قلعة صيرة التي درس عنها في المدرسة، ان للقلعة دوراً في مقاومة الغزاه  القادمين  من خلف البحار الطامعين باحتلال عـدن وموقع مينائها الاستراتيجي.  وتارة أخرى يأخذهم إلى التواهي حيث توجد على الساحل نوادي الشاطئ الذهبي وخاصة شاطي خليج الفيل السياحي. حيث يدرب سعيد ابنائـه الى جانب السباحة على صيد السمك من البحر، واخـذ السمك إلى المـنـزل أو إحـدى المطاعم الشعبية المسماة المخبازة والتي تطبخ السمك والخبز بالـتـنـور. وفي الاجازات الاخرى كان سعيد ياخذ أسرتـه الى حدائق عـدن ومنها مايسمى بجيشة التواهي الذي وضع فيها تمثال الملكة اليزابيت أثناء زيارتها لـعـدن واكبرها مايسمى بستان الكمسري، أو الذهاب  الى عـدن الصغـرى والتى تسمى أيضاً البريقة وفيها مصفاة  النفط، والسواحل الجميلة مثل ساحل كـود النمر والغدير وفـقـم وساحل قرية الخيسة، وذات رحلـة مدرسية إلى الخيسة وخلال سباحة علي في البحر رمى احد الصيادين صنارتـه وبـدل ان تـلـتـقـط  الاسماك خــزت صنارة في ساق علي مما ادى لاخـذه لاقـرب مستشفى لإخراجها  وإجراء الخياط للجرح الذي تركـتــه صنارة صياد السمك في ساق علي.     

 وكان في حي الروضة للطفل علي جار هـنـدي وبالرغـم من دخل ذويه المحدود كانوا يغـدق على ابنهــم بالهدايا واللعب بكل اشكالها، وكون علي محروم من هذه اللعب الا ما يصنعها بنفسه، لذا أقــام صداقة مع  جاره الطفل الهندي وكان يلعب معه في هذه اللعب الكثيرة من السيارات  التي لديه يومياً، اما الطفل الهندي فكان يانس لصحبة علي ويدعـوه باستمرار للعب معه على الارض الترابية بجوار المنزل، ويشق الطريق لتلك السيارات الصغيرة التي بحوزة صديقه الهندي، وكانت عملية التحضير لهذه اللعب تؤدي إلى توسيخ ثيابهم وعند عودته إلى البيت يحظى علي بالتوبيخ والتقريع بسبب ذلك.

كما ان من الذكريات ان أصحاب العربات التي تحمل بعض اللعب للأطفال كانت تجوب الشوارع وكان يتم السحب باليانصيب عليها بمبـالـغ بسيطة لـتـفـوز بإحـدى اللعب، الا ان علي كان حظه عـاثـر ولا يـفـوز بأي من اللعــب. وكانت للعب أرقام مدونة على صفحات دفتر وبحسب الرقم في الصفـحـة التي تفتحها يكون نصيبك ونظراً لاختلاط العربية بلغة المستعمر الانجليزية كان تستخدم كلمة بوك الانجليزية بالإشارة للدفتر وكان أصحاب عربات اليانصيب يجلبوا انتباه الاطفال حيث ينادوا بالشارع للأطفال بـقـولهـم (افـتـح البوك يا ابن ابوك). 

لكن والدي علي كانوا يعوضوا ابنهم في نهاية النهار وقبل النوم بسرد القصص عليه، وكان الاب يقص على ابنه قصص الفروسية مثل قصص عـنـتـر وابـو زيـد الهلالي وكانت الام تـقــص عليه قصص شعبية خيالية وقصص عن الحيوانات وغـيـرهـا.

كانت ومازالت الاستعارة والإعارة بين الجيران ممارسة شائعة في مدينة عـدن، وهذه التقاليد جزء من تجربة الناس والعلاقات القائمة بينهم كجيران في الشارع والحي. وكان الجيران يشعـرون انه من الممكن الاقتراض من الذين يعيشون بالقرب منهم وان ما يوجد لدى الجار في بيته لا يخصه فقط وإنما يمكن ان يستفيد منه سكان الشارع من أواني للطبخ ومواد غذائية أو معدات وأثاث منزلي أو حبل غسيل او ملابس، وخاصة النساء في الشارع يستـعـيـروا ملابس جيرانهم للمناسبات إذا لم تستطع الجارة شراء ثـوب لها.

بالطبع هذه الطفولة لم تخلـو من جوانب تشويقية أخرى، إذا كان يقع نادي موسيقى بالقرب من البناية التي يسكنونها في الروضة، وكان سعيد يرتاد النادي لقضاء بعض الوقت في المساء بعد عودته من العمل مصطحباً معه ابنه علي الذي تعرف على العزف الموسيقى وخاصة العزف على آلة الكمان، إلا ان هذه  السعادة كانت منقوصة لان العازفين كانوا يعزفون انغاماً بدوية، يتمتع بها والده أكـثـر مما يمتع بها علي، كون الوالد ينتمي إلى الريف، ولم تنال اعجاب الأبن كونه ولد وترعرع في المدينة، وكونه اعتاد على سماع أغاني المدينة من خلال المذياع وهي أشبه بالأغاني العربية الأخرى المعروفة في خمسينات القرن العشرين، وخاصة أغاني الأفـلام المصرية في تلك الفترة، لذا كان موقـف الطفل من  الموسيقى البدوية موقـفـاً غـيـر متحمس لـذلـك.

حـوار بـيـن جـيـلـيـن

 

كثيراً ما كانت تـدور الحوارات بين سعيد وابنـه علي، كحــوارات بين جيلين حول الـفـرق بين طفولة الريف والمدينة وذات مرة استفسرعلي والده كيف كانت طفولته بدون التطورات التكنولوجية من طائرات وتلفزيون ومكيفات وسيارات وتلفونات.

واجابـه والده ان جيلهم كان يلعب بالدراجــة بدون خـوذة الرأس وكان الاطفال يلعبوا مع أصدقاء حـقـيـقـيـيـن وليس اصدقـاء افتراضيين وصنعوا لعبهم بانفسهم واذا عطشوا يشربوا من ماء الحنفية وليس من قوارير التعبئــة ويشربوا مع اصدقائهم من نفس الكاس ولا يمرضوا، كما انهم يأكلــوا الخبز والرز ولا يصابوا بالسمنة لحركتهم الـدوبــة، ومعظم حركتهم باقـدام عاريـة دون حـذاء ولا يصابوا بشي.

وتـعـيـش الأسر مع بقية الأهـل في منزل واحد ويستمتعـوا بالعيش المشترك ويضيف الأب ان جيلهم بقدر ما يصغـوا للوالدين باهتمام فانهم اليوم يصغـوا للأبناء كذلك ويساعـدوا الأبناء في استعمال التقنيات الحديثة على الرغم انها لم  تكـن في أيامهم موجودة، ويشير إلاب  إلى انهم جيل فريد من المهم التعـلـــم منه قبل ان تـغـيـبـه الاقــدار.

 

الانـتـقـال للمـنـزل الثالـث

 

 عندما انــقـل سعيد إلى البيت الثالث في شوارع تتوسط حي الروضة السابق وحي المعلا الساحلي يسمى حي الشيخ اسحاق، كان علي، سعيداً جداً بهذا التغيير الذي طرأ، حيث أصبح البيت الجديد أقرب إلى مدرسته الابتدائية، كما ان تلك الفترة كانت بالنسبة له أوفـر حظاً حيث تعرف فيها على آلتي العود والمزمار إضافة إلى الكمان، لأن والده كان يصطحبه معه إلى الحفلات في عـدن وكذلك محافظتي لحج وأبين المحاذيتين لمدينة عدن لحضور الاعراس والحفلات التي اشتهرت بفرق موسيقية،  كانت تغني أغاني حديثة اقرب إلى الذوق الغنائي الحضري بشكل عام. إضافة إلى ذلك شاهد في تلك الفترة للمرة الأولى في حياته السيرك الهندي الذي كان يقوم بجولات دورية إلى عدن لتقديم عروضه، وهناك تعرف للمرة الأولى أيضاً على العديد من الحيوانات، منها الفيل. وتعرف في الحي الجديد على اصدقاء جدد وأصبحوا يلعبون سوية بكرة القدم.

  يوجد في حي الشيخ إسحاق ضريح لاحد رجال الدين الصالحين وأسمه الغطاس. وهناك في مدينة عدن عدة أضرحة لما يسموا بالأولياء الصالحين وتنظم في تواريخ محددة لكل ولي احتفالات تسمى بزيارة الولي والتي تبدأ بمسيرة فيها مواكب من الأقمشة لغرض ان تكسي قبر الولي وتسمى الكسوة. ومن العادات ان الشخص القائم على صيانة وتنظيف هذا الضريح (يسمى القيوم)، والقيوم بعد المسيرة يضع الكسوة الجديدة على القبر ويقوم بقص الكسوة القديمة إلى أشرطة صغيرة يشتريها من يحضر الزيارة ويلف الشريط على معصمهم للتبارك بهذا واعتقادا منهم ان مثل ذلك يدري عنهم الشرور. وبذلك يجني القيوم أموال كثيرة وصار يضرب به المثل الدارج في عدن "التبجيل للولي والفائدة للقيوم". وكان علي وأصدقائه في الحي يحضرون هذه الزيارات في الأحياء المختلفة ومنها زيارة العيدروس بكريتر وزيارة الولي الغطاس بالمعلا وزيارة الهاشمي بالشيخ عثمان وكانت أبرزها بالنسبة لعلي هي زيارة الهاشمي لان الأسرة كلها تذهب إليها الأب والأم والأخوة والأخوات وكان لهم أسرة يعولها صديق لسعيد والد علي يحلون ضيوفا عليه طوال النهار وتتميز الزيارة بكثرة وتنظيم  المراجيح وغيرها كما ان زيارة الهاشمي كانت تترافق في نهاية اليوم ان ينظم في المسرح القريب منها حفلا غنائيا ساهر يشارك فيه معظم فناني عدن في تلك الفترة وكان سعيد يحرص ان يحضر أولاده للحفل الساهر.

كان الاطفال يحصلوا من ذويهم على بعض الشلنات عندما يخرجوا العصرية من المنزل للعب وذلك ليشتروا بعض المعجنات والحلويات الا ان الابن علي كان يحرص ان يدخر هذه الفلوس ليشتري فيها الكتب من المكتبة الخاصة التي يملكها البائــع الشيباني بحي المعلا، خاصة قصص الأنبياء وابطال الفتوحات الاسلامية ومجلات الاطفال حينها مثل مجلة مكي ماوس ومجلة سمير ومجلة سندباد.

وكان الطفل علي شغـوف بالقراءة ولا تكفيه ما يدخره لشراء المزيد للقراءة ولذلك كان لدى البلدية سيارة تحمل مكتبة متـنـقـلـة في إحياء عـدن وتأتي يوم في الاسبوع إلى حي المعلا وكان علي من رواد هذه المكتبة للاستعارة منها للكتب المناسبة لسنه.

ومن الأيام المفرحة للأبن علي هي نهاية العام الدراسي وخاصة اذا كانت النتيجة الدراسية جيده فانه يحصل من والده على هديه، الا ان هدية إحدى الاعوام كانت ساعة يدويه وتحول الـفـرح بها إلى حزن اذ من شدة حرصه على المحافظة على الساعة انه فتحها من يده ووضعها في جيبه الا انه وهو يلعب وقعت من جيبه وانكسرت مما تسبب بحصوله على عـلـقـة من والدته، وتسببت له بعـقـدة إذا لم يضع ساعة على يــده بحياتـه بعـد ذلك. 

ومن طرائف تجربة علي باللعب بكرة القدم في احدى ايام الجو الحار جداً، أن رأى أحـد جيرانـه يحمل زجاجة مليئة بسائل شفاف، وضعها في زاوية الملعب والتحق باللعب مع أبناء الحارة، فما كان من علي إلا ان تـلـقـف الزجاجة بشكل لا إرادي لشدة عطشه وشرب قليلاً منها وفوجئ ان الزجاجة تحتوي على مادة الكيروسين وليس ماء للشرب، لكن اكتشافه للكيروسين  هذا جاء متأخراً بعد ابتلاع الكيروسين وشعـر بالغـثـيـان ووقع على الأرض وهـو يحاول ان يستـفــرغ ما احتساه، ممـا اضطر زملاءه بإيصاله إلى البيت وشرحوا لأهلــه       ما حصل معـه، وعلى الــفــور قام والده بـنـقـلـه إلى المستوصف، وأجريت له عملية غسيل المعـدة وانتهت الأمور على خير.

 

 

 

 

الانـتـقـال إلى المـنـزل الرابـع

 

بعد ان انهى المدرسة الابتدائية، انتقـل علي إلى الإعدادية واستأجـر والــده منزلاً أقــرب إلى هذه المدرسة، وكان المنزل مكون من طابـقـين وسطح ليتسع للعائلــة التي بلغ عدد ابنائها آنذاك الثمانية أطفال، وبغض النظر عن ان التسمية الرسمية للشارع الذي يقع فيه البيت الجديد المستأجـر المسمى بشارع ذي يزن نسبة إلى أحـدى الشخصيات التاريخية التي اشتهرت بمقاومة الغزو الحبشي، إلا ان التسمية الدارجة لذلك الشارع كانت حارة الطليان لكثرة أفراد الجالية الايطالية المقيمة في هذا الشارع وبعض الانكليز والهنود اتباع الكنيسة المسيحية. وكانت عائلة إيطالية تسكن في البيت المجاور لبيتهم وكان سعيد يقيم بدوره علاقات وثيقة مع الجيران الطليان الجدد مستفيداً من معرفته باللغة الايطالية التي تعلمها اثناء هجرته إلى مستعمرة اريتريا الايطالية ابان الحرب العالمية الثانية، وهنا تعرف الطفل علي على لون جديد من الموسيقى، حيث كان جارهم الايطالي يجلس على شرفة منزله في العطلة الاسبوعية ويحتسي الخمرة ويعزف على آلة الاوكارديون.

رافق هذا التنوع السكاني في الحي وجود حانوت لبيع المشروبات الكحولية، ويحــق لكـل من لا يـعـتـنـق الديانة الاسلامية بالشراء من هـذا الحانـوت.

كما كان في هذا الشارع جار أخر يدعى السيد وكان يزور بيته الكثيرين باعتبار نسبه يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وانه ذو سر عظيم يستطيع ان يداوي المرضى ببعض الوصفات الشعبية ويبارك مرتاديه ويكشف بعض الجرائم. حيث يمكن ان يأتي إليه شخص برفقة من يتهمه بالسرقة وغيرها ليؤكد السيد التهمه أو نفيها، وكان السيد في مثل هذه الحالات يكتب بعض الأدعية على أوراق ويلفها ويطلب من المتهم مضغها واذا لم يستطع فأن التهمة ثابته عليه. وكان سعيد بالرغم من انه كان يحرص على ان يؤدي كل التزاماته الدينية من صلاة وصوم وغيرها الا انه كان في احاديثه الخاصة مع اسرته أو مع جاره السيد يعبر عن عدم قناعته بكل اعمال جاره مع مرتاديه، مؤمنا ان كل شيء بيد الله وان أعمال جاره السيد هذه تعتبر من أعمال الشعوذة وان مرتاديه ممن يتأثروا بالخرافات، مما قوى عند أسرة سعيد بما فيهم أبنه علي ان الايمان وأداء الفرائض شيء ولا ينبغي ان يقترن بالاعتقاد بالطاقات الخارقة لناس من نفس الجنس البشري ولا تتعدى ان تكون خرافات يتأثر بها ضعاف النفوس والجهلة.

جدير بالذكر ان شارع الطليان (شارع ذي يزن) كان يقع على سفح جبل شمسان، هذا الجبل الذي يحتضن من الجهات الاربع أحياء المعلا والروضة والشيخ اسحاق من جهة والتواهي من جهة ثانية وكريتر من جهة ثالثة وحي خور مكسر من جهة رابعة وهو الحي الذي يقع فيه مطار عـدن، ويليها منطقة المملاح المحاذية للبحر وهي عبارة عن احواض من صنع الانسان مرتبطة بقنوات إلى البحر لتمتلي بماء البحر ثم تغلق القنوات لتركد مياه البحر وتجف تحت تأثير اشعة شمس عدن الحارة ليترسب الملح، ثم يجمع الملح من الاحواض للبيع بالأسواق وتعود العملية مجددا، تـفـتـح القنوات لتملا الاحواض بماء البحر وهكذا دواليك. وما يميز منطقة المملاح، بناء عـدد من طواحين الهواء فيها لقوة الرياح في المنطقة باعتبارها مفتوحة على خليج عـدن.    

ويفتح جبل شمسان ذراعيه ليحتضن من إحدى الجهات حي كريتر وهذه التسمية جاءت من اللغة الانجليزية وتعني (فوهة البركان) وهي فعلاً كذلك كما تقول الدراسات الجيولوجية حيث كانت فوهة بركانية قديمة هناك وخير شاهد على ذلك نوعية صخور جبل شمسان والتي هي من الصخور الرسوبية.

ويحتضن الجبل من الجهة الثانية حي التواهي الذي كان يطلق عليه الإنكليز (ستيمر بونيت) ما يعني النقطة التي ترسو عندها السفـن البخارية التجارية القادمة من اوروبا والمتجهة نحو آسيا وشرق وجنوب أفريقيا ذهاباً وإياباً، للتزود بالفحم ولاحقاً بالوقود، واحدى ابرز معالم التواهي برج ساعة المدينة بتصميم مشابه بساعة بيج بن اللندنية. من الجهة الثالثة حي المعلا،   وفيه ايضاً شارع الطليان الذي يقع في مقدمة سفح الجبل وينحدر حي المعلا لتتفرع منه شوارع، فمن جانبه تقع  منازل الانجليز وكنيسة حافون (هاف مون) أي نصف القمر، ومقبرة مسيحية، اما الجانب الأخر فيحتضن منازل العرب و مسجداً إسلامياً وكذلك مقبرة إسلامية وتليها مقبرة يهودية .

الجزء الاوسط من هذا المنحدر تتواجد فيه المدارس الابتدائية والإعدادية الخاصة بالبنين والبنات وكذلك إدارة الهاتف وسوق البلدية لبيع اللحوم والسمك والخضار والفواكه ودار للسينما، وملعب رياضي في الشارع المقابل لدار السينما.

في  اسفل حي المعلا  وقبل ان نصل إلى شاطئ البحر، ردم الانكليز الجزء المحاذي للبحر من اليابسة واقاموا عليه احد أطول شوارع المدينة، وتم بناء عدد من البنايات العالية على جانبي الشارع الذي سمى بشارع المعلا الرئيسي، وبعد الشارع المذكور، اقيمت منطقة صناعية يوجد فيها مكتب للبريد، ومستوصف الحي، ومركز شرطة وتم بناء رصيف سمى برصيف المعلا لاستقبال السفن التي تقوم بتفريغ حمولتها، كما وتم بناء مستودعات ضخمة لخزن بضائع الترانزيت كي يتم تخليصها جمركياً ونقلها إلى اسواق عدن، وباقي اجزاء البلاد من سلطنات ومشيخات، وكذلك لإعـادة التصدير إلى الخليج و شبه الجزيرة العربية والقرن الافريقي.  

وكان لكل من مسعـود وسعيد أرضيتين على طرفي الشارع المخصص للمخازن أمام الميناء مع زملائهــم من كبار تجار المدينة وكأنهم يقولوا لرجال الأعمال من زملائهم نحن جناحي الميمنة والميسرة لهذا الشارع التجاري الذي سيــحــلـق بجناحيه إلى العلى بالتجارة في هذه المدينة.     

 

بيت سعيد في حارة الطليان

 

ينقسم بيت سعيد في حارة الطليان الى ثلاثة اجزاء، الجزء الأول منه هو الطابق الأرضي الذي لـه مدخلاً منفصلاً يطل على الشارع مباشرة، حيث يستخدمه سعيد مكتب ولقضاء القيلولة بعد الظهر، واستقبال الضيوف واقامة الولائم التي كانت تقام باستمرار.

الجزء الثاني هو الطابق الثاني الذي يعتبر السكن العائلي للأسرة المكونة من سعيد وزوجته وثمانية ابناء وبنات، حتى ذلك الحين، هذا عدى عن ما اجهضته الزوجة والوفيات اثناء الولادة وعددهم حوالي ثلاثة، كما وكان يستخدم هذا الطابق لاستقبال الضيوف من النساء ولمشاهدة التلفاز وتناول وجبات الطعام، ولكتابة الواجبات المنزلية للأطفال.

كانت درجة الحرارة مرتفعة جداً في مدينة عدن الساحلية بسبب قربها من خط الاستواء، وهذه المدينة لا تعرف الا فصلين احدهما صيف معتدل الحرارة واخر شديد الحرارة، ذو رطوبة عالية، لذا اعتاد أهالي عدن اما النوم على اسرة توضع على رصيف الشارع امام المنازل او النوم على اسطح المنازل، كحال اسرة سعيد التي كانت تنام على سطح المنزل الذي كان يحتل الجزء الثالث من البيت، وهناك الكثير من الذكريات لدى الاولاد حيث كانوا يفترشوا السطح ويلتحفوا السماء اثناء نومهم، وبما ان سينما الحي كانت في الهواء الطلق ومكشوفة وقريبة من المنزل كانوا يسمعوا كل حوارات الافلام العربية التي كانت تعرض هناك، وكل الاغاني العربية واصوات مقطوعات الرقص الشرقي التي لا تخلو منها كل الافلام العربية، لذلك لم يناموا إلا بعد انتهاء العروض السينمائية.

مدينة عـدن جوها حـارعلى امتداد العام وقـليـلـة الأمطار بـعـكـس المرتفعات الجبلية في الريف. و أثناء الدراسة الابتدائية والمتوسطة وعندما تأتي الأمطار بشكل نـادراً في عـدن فان المدارس تمنح الطلاب اجازة وتنظم رحلة لصعـود جبل شمسان في الجو المعتدل بالمدينة بسبب الأمطار التي تهطل على المدينة ويتبارى التلاميذ والمدرسين في صعـود الجبل إلى مستويات أعلى ولا يوجد قياس دقيق للمسافة ولذلك يستعاض عنه بان يعلن التلاميذ والمدرسين عن وصولهم إلى كــم من البرك السبع التي تمتد حتى قمة جبل شمسان فالبعض يمر على جميع البرك السبع وآخرين إلى عـدد أقـل هذا إذا كانت الرحلة تنطلق من حي المعلا.

         أما اذا كانت الرحلة تنطلـق من حي كريتر في الجانب الاخر من جبل شمسان فالرحلة أسهل لوجود صهاريج عـدن التاريخية التي تمتد من أسفـل الجبل حتى أعلاه، ويربطها  سلالم مبنية بالحجارة وكانت الصهاريج هي خزانات مياه الامطار لأهالي عـدن في الماضي،        قبل حفر الآبار الارتوازية العميقة في ضواحي المدينة التي أصبحت تزودها بالمياه النظيفة           عبر الأنابيب إلى المنازل.

 

 

التـدريب عـلي سيـاقــة السيـارة

 

سعيد كونـه ليس موظفاً حكومياً، وبالتالي فهو غير مضطر للذهاب إلى الدوام خلال النهار في شهر رمضان، لذا كان ينام في النهار ويقوم بعمله التجاري في الليل. اما متطلبات الفطور في هذا الشهر فـقـد كان يكلف ابنه الأكبر علي لشرائها، وكون بعض المواد الغذائية متواجدة في حي (كريتر)، كان سعيد  يطلب من علي الذهاب بسيارته الخاصة لشرائها من كريتر واحياء اخرى،  كان علي يحتاج للتدريب على سياقة السيارة، وسعيد ضمن تجارة الحديد الخردة كان يشتري بعض السفن التي انتهت خدمتها ويسحبها إلى ساحل الجزيرة المسماة قبل الاستقلال بجزيرة العبيد ليقطع اوصال السفن القديمة ويأخذ اجزائها كحديد خردة في تجارتـه مستـفـيـداً من ان الجزيرة خالية بعد ان حضرت تجارة الـعـبـيـــــد الذيـن كان يتم جلبهم من أفريقيا. كما ان الأبـن علي استفاد من المساحات الخالية بالجزيرة عندما كان يصطحبه والـده إليها ليتدرب علي سياقة السيارة حتى اتـقـنـهـا، بالطبع اوقـفـت شرطة المرور علي اكثـر من مرة لعدم حصولـه على رخصة السواقة لأنه مازال تحت السن القانوني، وسجل عليه مخالفة، لذا استخدم سعيد علاقاته الشخصية واشترى له الرخصة اللازمة، ومن ضمن الإجراءات، احتاج لأخذ الصورة لرخصة السواقة ان يطلب من استيديو التصوير ان يستخدم القلم الاسود ليبدوا الطفل بشنب في الصورة.

 

شهر رمضان والعـيـد في المـعـلا

 

كان سعيد ينظم الافطار الرمضاني يومياً في الطابق الارضي في المنزل للذكور وكالعادة كان البيت مزدحماً بالضيوف، عدا ذلك توزع الاطباق الكثيرة للجيران وخاصة اطباق الحلويات والفواكه، وبعد وجبة الافطار كان سعيد واولاده يؤدون صلاة المغرب في المنزل، ثم يخرجوا جميعاً إلى الجامع لأداء صلاة العشاء والتراويح، كانت صلاة التراويح التي يحرص عليها سعيد مع ابنائه واصدقائهم مجهدة للأطفال امثال الأبن علي. وضمن حرص الوالد على صلاة التراويح  كان بعد صلاة العشاء يعود إلى اخر الصفوف للتسبيح  وكذلك لكي لا يسمح لأبنائه واصدقائهم من التهرب من اداء صلاة التراويح، وذات مرة، اراد احد اصدقاء علي ان ينصرف بعد صلاة العشاء وعندما راءه الوالد سعيد قال لـه صديق ابنه، انه يريد ان يكون في اخر المسجد لتكون رويته  للإمام بالمحراب أفضل، وعندما استفسره الوالد سعيد عن مدى صحة ذلك اجابه زميل ابنه انه في دور السينما تدفع ثمن اكبر للتذكرة للصفوف الخلفية لتكون الرؤيـة  أفضل فضحك الوالد وسمح لـه بالبقاء في الخلف وكان كلما التقى بـه مع ابنـه يذكره بتلك المجادلة في المسجد ويضحك لها كثيراً. بعد صلاة العشاء والتراويح تستمر حفلات السمر طيلة الليل حيث يجتمع الضيوف عند سعيد اما الابناء فيخرجون إلى الحارة للعب مع ابناء الجيران في جميع الألعاب الرمضانية على اختلاف انواعها، وبالتحديد كانوا يلعبون لعبة الاستغماء، حيث كان الليل يساعد اللاعبين الذين يختبون في جنح الظلام، ويجب على الطفل الذي وقع الاختيار عليه البحث على البقية واكتشاف اماكنهم، وعندما يكتشف أحدهم، يكلف الطفل المكتشف بمتابعة البحث عن بقية اللاعبين وهكذا دواليك.

ومن المشاهد التي كانت تـتـكـرر وخاصة في النصف الثاني من شهر رمضان هو التجمع المزدحم للفقراء امام منزل العائلـة، حيث سعيد يبدأ بتوزيع الأموال من صدقات الزكاة على تجارته وكانت أيضاً تسمى هذه الصدقة (حق الله).

ومن ذكريات علي في هذا الشهر الكريم أيضاً ان السلطات كانت تضع احد المدافع القديمة على قمة احدى تلال جبل شمسان المسمى الشيخ اسحاق، وتطلق منه يومياً قذيفة مع غروب الشمس ايذاناً بالإفطار، وكان يسمى هذا المدفع (مدفع الافطار) لان صوت المؤذن لم يصل إلى جميع اجزاء الحي، وهذا المدفع هو تقليد قديم قبل انتشار المذياع وبالتحديد مذياع (الترازيستور) الجوال الذي كان يحمل باليد ويعمل بالبطاريات.

وفي الايام الاخيرة من شهر رمضان المبارك كان الكبار في السن يسخروا كل وقتهم في التعبد والدعاء وتلاوة القران الكريم وخاصة عشية ليلة القدر التي تستجاب الدعوات فيها، وتفتح فيها ابواب السماوات.

اما الشريحة الشابة كانت تسخر الاسبوع الاخير من هذا الشهر لشراء الهدايا والملابس والحلويات وغيرها من لوازم عيد الفطر السعيد.

ومن الظريف في الامر ان علي بن سعيد كان يحرص على الدوام، ان يشترى ملابسه حسب الموضة (موديلات جديدة) من الاقمشة وفي أحدى المرات اشترى البنطلون من الصوف اللماع وارتداها، في عيد الفطر السعيد، لكنه لم يكن سعيداً بالنسبة لعلي، حيث عانى معاناة شديدة من الموديل الذي أعجبه واشتراه وارتداه في إحدى الاعياد وكاد ان يهلكه، من شدة الحر اولاً ومن اثارة السخرية ثانياً لشدة اللمعة فيه، وكان يلفت نظر الناس إليه – لأنه ملفتاً للنظر وعانى كثيراً من شدة الحرارة في ذاك العيد الذي جاء في فصل الصيف، وهو يرتدي طقمه الصوفي تماشياً مع الموضة، فعيد رمضان كان يأتي في فصول مختلفة كونه يتبع التقويم الفلكي.

عناء أخر وهو عناء السهر ليلة العيد، حيث يـقضى طوال الليل مع زملائه في ملعب الحي الذي تنصب فيه مكبرات الصوت للتكبير من المساء حتى الفجر بعد اعلان ( لجنة الرؤية ) مشاهدة الهلال، وبذلك يتم انتهاء  شهر  رمضان و اعلان اليوم التالي اول أيام عيد الفطر السعيد، واختيار الملعب ذاته لإقامة صلاة العيد بسبب عدم اتساع المسجد لجميع الراغبين في أداء صلاة عيد الفطر وكذلك الحال في عيد الأضحى.

ومن الاحداث الجميلة والبارزة في أول أيام العيد تلك الجولة الصباحية لسعيد واولاده على الأهل والاقارب والاصدقاء بعد الصلاة لتهنئتهم بالعيد والعودة إلى المنزل لاستقبال الضيوف المهنئين بعد الغذاء. وكان علي واطفال الاسرة في هذه الــجـولـة يحصلوا من الكبار على مبالغ تسمى الـعيديــة وذلك بعد انتظار الأطفال بفارغ الصبر لحلول العيد للحصول على العيدية والملابس الجديدة.

 وكان علي يضطر لمسايرة زملائه الذين يذهبون بعد ظهر العيد إلى حي كريتر حيث يوجد الملعب الرياضي الكبير لمشاهدة المباراة المنتظرة بين فريقين من أكبر واقوى الفرق بمدينة عدن، على الرغم من انه لم يكن من محبى كرة القدم، ولا حتى من مشجعي هذه اللعبة.

وفي كثير من الأعياد وبعد صخب ركوب المواصلات مع زملائه من حي المعلا إلى حي كريتر والوقوف في طوابير طويلة لشراء تذاكر الملعب والجلوس على المدرجات ترقباً لنزول الفريقين وكل ما يرافق ذلك من هيجان جماعي وهتافات،  و كما هو الحال في كل عيد، ما ان يطلق الحكم  صفارة البداية ويعلن بدء المباراة يشعر علي ان هذا المكان ليس مكانه لان الملل يدب فيه على الفور، وكان ينسل بهدوء دون ان يراه احد، ويغادر الملعب قبل انقضاء الشوط الأول من المباراة، وكي يوهم الجميع انه شاهد المباراة، يضطر للعودة من حي كريتر إلى حي المعلا سيراً على الأقدام بحيث يصل إلى البيت بنفس التوقيت مع زملائه الذين حضروا المباراة من البداية حتى النهاية. ويتوقف في طريق العودة بجوار الملعب عند منارة عـدن وهي الجزء الذي تبقى من مسجد بنى منذ فتح الاسلام حيث يقوم بالدعاء والتلاوة ثم  يمر في منطقة البنوك والتـلـة التي بنيت فيها الكنيسة قديماً، ثم تحولت إلى مبنى للمجلس التشريعي لمدينة عـدن والذي يعتبر أقـدم برلمان منتخب في الجزيرة العربية، وكذلك المرور بجانب المدرسة المسيحية للمراحل من الابتدائي وحتى الثانوية والتي يتذكرها علي جيداً لأن والـده كان يصطحبه للحفلات التي كانت تقام على مسرح هذه المدرسة والذي غنى على خشبتــهـا  أبـرز فناني عـدن. 

كما كان الوالد سعيد في الاعياد او مع قدوم مولود جديد، يقيم في ديوانه حفلات موسيقية للفرقة العدنية وغيره من الفنانين، وكذلك الفرق الفنية مثل فرقة الندوة اللحجية ذائـعـة الصيت بأغانيها المشهورة في ذلك الحين، ولا تقتصر الحفلات على الموسيقى العربية بل كان يدعـوا فرق المدينة من ذوي الاصول الهندية التي تعزف على الـه هندية اسيوية اسمها الجماد وهي تشبه الاكرديـون لكنها لا تحمل  على الصدر وإنما تـوضع على الأرض، وكذلك الفرق التي تضرب على الطبول من ذوي الاصول من القرن الافريقي. 

 

غــدق الـعـيش في المديـنـة  

 

        كانت مدينة عدن مدينة حديثة ومعاصرة لا بل الأحدث في شبة الجزيرة العربية، حيث تتوفر فيها كامل البنية التحتية مثلها مثل كل المدن الحديثة، اذ يتوفر فيها خدمات الكهرباء والماء والمرافق العامة والطرقات المعبدة والحدائق العامة والمكتبات ودور السينما وملاعب الاطفال، والمخازن التي تعج بالمعدات الكهربائية وغيرها وكانت البضائع رخيصة الثمن خاصة  المستوردة من دول الشرق الاقصى الاسيوية كاليابان و تايلاند، و دخل التلفاز إلى مدينة عدن في أواخر الخمسينات،  لذا من الممكن القول: ان سعيد وعائلته عاشوا حياة مدنية  مرفهه بكل ما تعنى هذه الكلمة من معنى.

  وفي ظل الرخاء  والرفاهية التي شهدتها مدينة عدن والمناطق الريفية المحاذية لها ازدهرت أيضاً الوان الفن الغنائي العدني والحركة المسرحية، وكانت تقام العديد من الحفلات وكان يحرص سعيد على منح ابنه البكر علي الفرصة لحضور هذه الفعاليات الثقافية وكذلك جميع الفعاليات السياسية التي كانت  تنظمها النقابات والحركات السياسية في تلك الفترة و على الرغم  ان سعيد كان غارقاً في عمله التجاري، إلا انه كان حريص ان يحضر علي ويشارك في هذه الفعاليات وكان يرسل احد معاونيه في الشركة لمرافقة ابنه لحضور تلك الفعاليات ان لـم يستطع مرافـقـتــه.

السفر إلى الريف في عطلة الصيف

 

حرص سعيد ان يطلع ابناءه  عن قرب على قريته الاصلية وعلى الحياة البدائية التي عاشها في طفولته وكانت الحياة مازالت على حالها تلك الفترة في الريف الذي يرتفع عن سطح بحر خليج عـدن الاف الامتار، لذا كان سعيد يطلب من عبد الباسط ابن عـمـتـه (الأرملة التي احتضنت سعيد وإخوته بعد وفاة  والديهما) ان يصحبهم في السفر الى القرية، في بداية العطلة الصيفية حيث كان يأتي عبد الباسط إلى المدينة لإجراء صيانة كاملة لسيارته، أو كان يستبدلها بسيارة اخرى أفضل حالة من سيارته التي استهلكت -- وذلك  لنقل ابنائه وابناء عمومته لقضاء اجازة الصيف في الريف وبالتحديد في القرية التي ولد وترعرع  فيها سعيد واخوته.

وعند وصول عبد الباسط إلى عدن في الصيف يلح علي واخوته وابناء عمه بالاستفسار عن موعد بدء الرحلة بشوق كبير، وعبد الباسط يشرح لهم بهدوء، انه يجب عليه القيام بصيانة كاملة لسيارته، لتكون على احسن حال استعداداً للرحلة، اما هم فكانوا يحثونه باستمرار ويتوسلوا في الإسراع بتجهيز السيارة للرحلة المنتظرة، وتكون سعادتهم كبيرة جداً عندما يعلمهم عبد الباسط ان الرحلة ستبدأ في اليوم التالي.

وفي كل صيف يصطدموا بمشكلة موعد انطلاقهم لان الجزء الاول من السفرة بعد خروجهم من المدينة لا يوجد فيه طرقات معبدة ومليء بالكثبان الرملية التي تعرقل مسير السيارة، هناك صعوبة في السير على هذه المنطقة المليئة بالكثبان الرملية الممتدة في صحراء واسعة. لذا كان عبد الباسط يجيبهم انه نظراً لعدم توفر الطرق الملائمة، ولتجنب الكثبان الرملية في الصحراء، يجب عليه ان يقطع الجزء الأول  من الرحلة على شريط ساحل أبين، لكن عليه ان ينتظر النشرة الجوية اولاُ لمعرفة اوقات المد والجزر في البحر، وفي أغلب الاحيان يكون اوقات الجزر – للبحر في الليل، ولهذا الجزء من الرحلة ذكريات رائعة لا تنسى، ترتبط بصورة البحر في الليل ومده وجزره، والأمواج القريبة جداً من الشاطئ، والقمر والنجوم في سماء ليالي عدن، وكذلك  ترتبط هذه الذكريات بما اعدوه وجهزوه من مأكولات تم شراؤها من احد المخابز المشهورة في عدن، من قطع الكيك والحلوى، والخبز الطري والحليب والمرطبات، إلا ان الرحلة لا تخلو من متاعب  ومشاكل ومفاجأت، فحتى في الطريق الساحلي المنبسط، يمكن في  ظلمة الليل ان تقع السيارة بمنطقة رخوة، مما يؤدي إلى انغراس الاطارات الاربع بمياه البحر، وفي هذه الحالة ينزل عبد الباسط ومعاونه، وكذلك على جميع الركاب النزول من السيارة لتخفيف الحمل والمساعدة في ازالة الرمل المحيط  بالإطارات التي انغمست فيها، ويبدأ معاون السائق بـوضع صفائح معدنية مخصصة لهذا الغرض بالذات امام الاطارات الاربع، ثم يقوم الجميع بدفع السيارة لتصل الاطارات الاربع إلى تلك الصفائح، وهنا يرينا عبد الباسط مهارته، حيث ينطلق بحرفية عالية وبشكل متناسب مستخدماً (المستويات المختلفة للمكينة) المتواجد في مثل هذه السيارات في ذلك الوقت الذي لم تتوفر فيه السيارات رباعية الدفع  بعد، ويخرج عبد الباسط بسرعة البرق من هذه المصيدة الرملية زارعاً السعادة في قلوب الأطفال وامهاتهم ليصعدوا إلى السيارة ويتابعوا المشوار من جديد.

وبالطبع تتكرر هذه المصيدة عدة مرات خلال رحلتهم الساحلية هذه، ويسرع عبد الباسط لأنه يجب عليه اجتياز هذا المقطع قبل حلول موعد المد والذي من الممكن جداً ان يوقف الرحلة تماماً.  الخوف والقلق يخيم على الجميع ولا يتنفسوا الصعداء إلا بعد انتهاء هذا الجزء الصعب من الرحلة، والانعطاف نحو تلال جبلية وعرة، عند ذلك يمكن ان يخلد الجميع مع ساعات الفجر الأولى إلى قليل من النوم، ونظراً لارتفاع هذه الجبال عن سطح البحر يقترن نومهم العميق بعد رحلة ليلة كاملة مليئة بالمغامرات والتعب، يقترن بهواء بارد لم يعتادوا عليه سابقاً في مدينة عدن الحارة وشديد الرطوبة.

 

عـقـبـة ثــرة

 

بعد ان ياخذوا قسطاً من الراحة يشدوا الرحيل من جديد لينـتـقلوا من هذه التلال المسماة بجبال العرقوب إلى مدينة لودر الريفية لتناول وجبة الفطور في أحد المقاهي استعداداً للجزء الاصعب من الرحلة والمتمثل في صعود عقبة ثره الشاهقة والمخيفة، حيث يصل ارتفاعها عن مستوى البحر إلى ألاف الامتار، وطريق العقبة طريق بدائي جداً وضيق زد على ذلك انه طريق ترابي، لا يتسع إلا لسيارة واحدة، ويقع على حافة جبل، وفي الطرف الثاني وادي عميق وسحيق، والمرعب في الأمر انك تشاهد بأم عينك تلك السيارات ذات الحظ العاثر والتي انزلقت في الوادي المحاذي لهذا الطريق الترابي، - طريق الموت – وكيف تحطمت بمن فيها.

عندما تبدأ السيارة باجتياز هذا الطريق، كان لزاما على الجميع ان ينزلوا منها. ويبقى       عبد الباسط يقودها ببط شديد وحذر اشد، ويجب على الابناء والامهات، السير وراء السيارة حاملين احجار كبيرة ومتوسطة الحجم كل حسب استطاعته، وعندما تتوقف السيارة وليس بإمكانها صعود الجبل، اوفي بعض الاحيان عندما كانت تنحدر إلى الوراء كانوا الأبناء والامهات يضعـوا الاحجار وراء اطارات السيارة لإيقافها من الانحدار، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لحماية انفسهم من الدهس في حال انزلاقها، وبفضل هذه الاحجار يتم ايقاف السيارة على هذا الطريق الوعر. تتكرر هذه الحادثة ويخرج عبد الباسط كل مرة لتفقد محرك السيارة ويبرد المحرك ويصب على خزان السيارة قليلاً من الماء، وبعد التأكد بان وضع المحرك يسمح له بالسير، يصعد إلى سيارته يشغلها من جديد مستخدماً "مقبض المكينة الذي يحدد مستويات الدفع" لإنطلاقة جديدة ، وكما  قلنا تتكرر هذه الحالة خلال طريق العقبة أكثر من مرة، الا ان الجزء الاكثر رعباً وخطراً هو الجزء المسمى بالصراط، وهو طريق ضيق حيث يربط بين سفحي الجبلين الذي يكونا العقبة، والخوف هنا لا حدود له، فويلك من  الانحدار إلى الخلف والسقوط في الهاوية، وويلك من الانحراف يميناً او يساراً في هذا الطريق الذي بالكاد يتسع لسيارة واحدة والتي من الممكن ان تنزلق فيه السيارة إلى الوادي السحيق، ويتنفسوا الجميع الصعداء بعد الصراط. في ظل الحياة الريفية البدائية حيث لا يوجد فيها تنظيم المرور فان احدى المصاعب هي عندما تلتقي سيارتان احداهما تسلك طريق الصعـود والاخرى طريق النزول، وهنا نرى كيف يتسابق سائقي السيارتين اللتين تلتقيان في هذا الطريق الضيق لاختيار الجانب الاسهـل لـه دون مراعاة قواعد المرور التي تحدد من له الحق  باتخاذ الطريق المحاذي للجبل  أو المحاذي لحافة الموت، وهنا تربط  السيارة المحاذية لحافة الموت بالحبال، للحد من الانزلاق ويترجل ركاب السيارة الاخرى لتقديم المساعدة         وتمرير السيارة التي تقع بالقرب من الحافة، لحظات خطيرة وحرجة مشوبة بالعواقب الوخيمة  تمر بشكل بطيء جداً، فاللحظة تمر وكأنها عام، وأحياناً يخيل لك بانها دهر كامل. لكنها بعد ان تنتهي بسلام، يلتقط الجميع أنفاسهم ويتابع كل منهما رحلته، وعندما تصل سيارة           عبد الباسط إلى قمة الجبل يتنفس الجميع الصعداء للمرة الاخيرة، ويتوجهوا إلى كوخ بسيط تعيش فيه امرأة تدعى (المقهوية)، حيث تقدم لهم القهوة المحضرة من البن الذي يزرع في تلك المرتفعات قهوة ساخنة تبعث الدفء والنشاط، وكذلك تقدم الخبز الساخن الطازج الذي يسمى باللهجة المحلية ( خبز الموفى) لأنه ينضج على جانب التنور المصنوع من الطين والذي يشتعل من الاسفـل بالخشب المحترق.

 

الوصـول الى  القـريــــــــة

 

لا توجد طرق معبدة بذلك الزمن في ريفنا، وانما طرق نسميها بالطرق الزراعية، لكن ليست كلها على هذه الشاكلة، فقد تصادفك احياناً تلال صخرية ولا مخرج امامك الا عبور هذه التلال مهما كلف الأمر، واحياناً يخيل اليك ان هذه السيارة او تلك تجتاز مرحلة تجريبية حقيقية، ويخيل لك انها سيارة مصنوعة من البلاستيك بفضل الضوابط التي تنظم حركة اطارات السيارة بشكل دقيق.

ما ان يصل عبد الباسط إلى الحدود بين سلطنات المحميات البريطانية، تبدأ المساومات معه من قبل حرس الحدود، وتبدأ المشادات الكلامية بين الشرطي وعبد الباسط، والتي تصل في معظم الاحيان إلى حد التهديد بأطلاق النار، لكن هنا يتدخل الركاب بين الطرفين للوصول إلى حل ان يدفع للشرطي مبلغ يرضي الطرفين، وفي نهاية المطاف يرفع الحاجز ويتم عبور الحدود، ويبقى المبلغ المدفوع (الرشوة)، لقاء العبور سراً بين عبدالباسط والشرطي.

وعند الاقتراب من مشارف القرية يسمع المصطافون القادمون صوت اطلاق رصاص ويخافوا، الا ان عمهم يطمئنهم لعدم وجود خطر وان هذه هي الطريقة للترحيب بالضيوف في الريف، بإطلاق النار في الفضاء وعليهم الرد على التحية وان العم عندما يصل القرية سيطلب من الاولاد اطلاق الرصاص، وفعلاً جاء الدورعلى طفل الـتسعــة أعوام علي لاطلاق الرصاص من البندقية ولصغـر سنه وهـو يحاول الرماية ارتــدت الـبـنـدقـيـة  وتحـركـت  من كـتـفـه الى وجـهـه وأحــدثــت جـرح في الوجــه وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة لاستخــدام علي للـسـلاح.      

 

الحيـاة في الـقـريـة

 

واخيراً يصل المصطافون إلى القرية، ينزلوا من السيارة، الحياة في الريف تختلف اختلافاً جذرياً عن الحياة في المدينة. في المنزل غرف طينية بثلاثة طوابق، بدون اثاث منزلي، وتتوزع في كل ركن من ارض الغرف سجادة ووسادة وهي الاثاث، اما الجدران ليست كما في المدينة مزينة باللوحات الفنية والصور وغيرها، وانما مزينة بالخناجر والبنادق والقنابل اليدوية ومخازن الذخيرة وكل بندقية مخصصة لأحد افراد الأسرة من الذكور حصراً.

وكل غرفة ذات مستويين، منخفض ومرتفع قليلاً، المستوى المنخفض يقع بالقرب من المدخل ويمثل المساحة الاكبر من الغرفة، اما الجزء الاخر من الغرفة فيرتفع مستواه لبعض السنتميترات عن الجزء الأول، وهو مخصص لجلوس كبار العائلة باختصار – الكبار في صدر الدار، اما البقية فيجلسون على جانبي الغرفة في المستوى المنخفض. وفيما يتعلق بالطابق الأرضي فهو مخصص للحيوانات الاليفة من ابقار وغيرها والمطبخ.  

وبالطبع في مثل هذه المنازل من المستبعد جداً، لا بل من المستحيل إيجاد مرحاض لقضاء الحاجة ضمن حرم البيت، حيث يضطر الرجال للذهاب إلى التلال القريبة  في أي وقت يشاؤون  لقضاء حاجتهم، اما النساء فيضطررن للإنتظار حتى حلول الظلام لقضاء حاجتهن، فتصوروا معاناة النساء  من جراء هذا الانتظار، ومن المفارقات ان البشر يقضون حاجتهم في خارج  المنزل في معظم الارياف،  اما الحيوانات  تفعل فعلتها أحياناً هذه في الطابق الأرضي من المنزل ، و لفضلات الحيوانات فوائده كثيرة، حيث يستخدم من خلال خلطه بالتراب في بناء المنازل الطينية بدلاً من مادة الاسمنت في تلك الفترة وكذلك يستخدم كسماد للمواسم الزراعية.

في كل زاوية من الغرف يوجد ابريق فخاري كبير مملوء بالماء مخصص للشرب بدلاً من الثلاجة التي في المدنية، وابريق أخر مخصص للوضوء قبل الصلاة. 

 وتعبا هذه الاباريق بالماء الذي يجلب من الأبار المكشوفة وإذا جفت من صهاريج منحوتة بالصخر يتجمع فيها مياه الأمطار. وفي كلا الحالتين تكون هذه المياه عرضة للتلوث وتعشعش البكتريا فيها، خاصة إذا ما كانت راكنة لمدة طويلة فيها. وكان الحظ العاثر للطفل علي انه بشرب بعض المياه الملوثة اثناء زيارته للريف أنه بعد انقضاء الإجازة والعودة إلى المدينة، فقد مرض الطفل علي بالتايفويد والذي كان في منتصف القرن الماضي القرن الـ 20 يعتبر مرض قاتل لعدم وجود علاج له في ذلك الحين. وقد عرض سعيد ابنه على عدة دكاترة في مدينة عدن واضطر في الأخير ان يدخله المستشفى للمبيت فيه لعدة أيام ليخضع للمراقبة الطبية والعلاج وكان الأطباء يبلغوا سعيد انهم يضعوا الحالة تحت المراقبة فقط، وفي غياب اكتشاف الدواء الناجع حينها فأما ان الطفل علي سيتوفى بسبب هذا المرض أو ان مقاومة جسمه مع العناية في المستشفى ستساعده على التغلب على التايفويد، وإذا ما نجأ الطفل علي فسوف يكتسب جسمه مناعة مستقبلا. وذلك ما قدر لعلي ان يتجاوز التلوث ويتغلب على المرض.

 

 

 

 

تبادل الهدايا التي من المدينة والريف

 

عند الوصول يـتـم الترحيب بالضيوف في القرية، حيث يجتمع أهلها للترحيب بالضيوف، وهنا تبدأ مراسم تبادل الهدايا، الهدية القادمة من المدينة هي الأقمشة بكل انواعها، والعطورات، والحلويات والكثير من الهدايا للأطفال، أما المقيمين في الريف فأغلب الأحيان تكون هداياهم هي الخرفان والخرفان والخرفان حيث وصل عدد الخرفان المهداة لعائلة سعيد وعائلة اخيه إلى العشرات ولا يمكن ذبح وأكل كل هذه الكمية في وقت واحد.

هنا طلب علي من والدته ان تسمح له برعي قسم من هذه الاغنام والخرفان المهداة، بالطبع وافقت الوالدة على طلبه، واهدته ستة رؤوس فقط، وقالت له: من هذه اللحظة أنت المسئول عن رعي هذه الخرفان. لماذا طلب علي هذا الطلب بالذات، أولاً لأن والده تحدث له الكثير عن الرعي في طفولته، وان معظم الرسل والانبياء كانوا يرعوا الاغنام وكيف كان والده  يعمل من الصباح حتى المساء برعي الاغنام، وزرع الأب بطفله حب العناية بالحيوانات الاليفة، وحب العمل بشكل عام، وكذلك زرع فيه حب المسؤولية لذا تجرأ علي وطلب من والدته هذا الطلب، وكما قلنا وافقت الوالدة على طلبه هــذا.

في صباح اليوم التالي استيقظ علي باكراً، وساق خرفانه الستة بإتجاه إحدى التلال المجاورة  لرعيها، وفي الصباح لا يزال الجو معتدلاً، لكن بعد منتصف النهار ترتفع درجة الحرارة، وتفادياً من ضربة شمس جلس علي في ظل إحدى الأشجار. والأغنام تتحرك وتقتات الأعشاب، ولا تقف في مكانها، وإنما تبحث على الدوام عن طعامها من  الأعشاب، لذا هي في حركة مستمرة متفقدة كل الأماكن المحيطة بالتلال.. شرد علي .. ونسى انه يرعى الأغنام، بدأ يتذكر طفولته بتفاصيلها، وتذكر إحدى حكايات الجدة، حيث تدور أحداثها حول الذئب الذي أكل الأغنام، وفجأة نظر حوله، ولم ير الأغنام، انتفض مذعوراً، وهرول إلى البيت، خائفاً، مرعوباً وفي حالة من الهيستريا، وصل الى البيت يجهش بالبكاء، سألته والدته ما الذي حصل يا بني، اجاب بشكل هيستيري، الذئب .. الذئب أين الذئب أجابته أمه عن أي ذئب تتحدث، بدأت بتهدئته واعطته كاساً من الماء، أهدا يا بني .. قل لي ما حصل!. استمر قائلاً الذئب .. الذئب .. يا أماه .. ما قصة الذئب، هل طاردك؟  لا، لا، الذئب لعله اكل كل الأغنام.. أهدأ يا علي .. أهدا .. متى حدث ذلك .. وهل انت متأكد من ذلك ؟ .. هل رأيته بأم عينك .. انا متأكد يا أمي.. لأني نظرت حولي ولم أرى الاغنام.. أهدأ سنعالج الأمر فوراً. طلبت  الأم من أحد أبناء الجيران الذين يعيشوا بالقرية الذهاب الى التلال للبحث عن  الاغنام. وبعد مضي ساعة او ساعتين عاد الجار بصحبة الأغنام .. حيث وجدهم في الجانب الأخر من التلال، ولم يأكلهم الذئب كما توقع علي .. وهنا قال له أبن الجيران: أحذر الذئب يا علي .. وأصبح مثلاً في القرية.. وعندما يروه أهل القرية يكرروا هذه الجملة: أحذر الذئب يا علي، ويجيبهم نعم .. نعم .. يجب علينا جميعاً اننا نحذر الذئاب لانهم كثيرون في زمننا هذا. 

من تجارب القرية المختلفة عن المدينة للأبن علي الذي كان  في طفولته حافي القدمين باستثناء عند الدوام في المدرسة، فان المشي في الريف تجربة صعبة لكثرة الاشواك التي تسقط من الاشجار وتملى الاراضي الريفية. ولذلك في اثناء قضاء العطلة في القرية فان اقدام علي الناعمة من رفاهية المدينة توخزها الشوك، وفي الايام الاولى في القرية فان قـدميه تدمى  من الاشواك، ولكن بعد عدة ايام من المشي في القرية وممراته الغير معبدة كالمدينة تتكون في الجزء الاسفل من القدم طبقة جلدية سميكة تحميها من الشوك والتي حتى اذا وخزته الاشواك في أسفل القدم فانها لا تدميه ولا تؤلـمه، كل ما في الأمر ان علي يستمر في اخراج الشوك من قــدمــه عند المشي دون أي متاعب تـذكـر.  

كان علي يبدأ يومـه بالقريـة بزيارة بيت جدتـه المجاور والتي كانت تضع حليب البقرة التي تملكها في محصول نباتي يشبه البطيخ يسمى القـرع وهي ذات حجم كبير مجففه ومفرغـة من داخلها، تسمى بالقرية (دبية)، وتخض الجدة الحليب وبذلك يفصل الدهن وتسقي علي من اللبن المتبقي ويجد الطفل لـذة في شرابـه الصباحي هـذا على يـد جدتـه والتي ياكل إلى جانبها بعض البيض المغــلي من نتاج دجاج جدتـه أيضاً.

 

 الـثـأر في الـريــف

 

ذات صباح وأثناء اجازة علي والعائلة في القرية، استيـقـظ علي وبعد تناول وجبة الأفطار المعتادة عند الجدة، تجول مع زملائه في القرية،  ولاحظ هدوء لم يعتد عليه سابقاً، لذا  ذهب  مسرعاً إلى البيت، وتوجه بسؤال إلى والدته، يستفسر فيه عن هذا الهدوء، وعن غياب الرجال في القرية وبقاء نسائها وأطفالها فقط، فأجابته قائلة: خرج جميع الرجال والشباب وكل من يستطيع حمل السلاح إلى القتال.

عن أي قتال تتحدثين يا أماه، ما الذي حدث؟

عن معركة تدور رحاها اليوم في جبل كساد – ما هذه المعركة، ماذا تقولين؟.. قتال، معركة  جبل كساد .. تحدثي لي بالتفصيل ارجوك يا امي .. وأنا أيضاً بإمكاني حمل السلاح، والقتال.. ما زلت صغيراً يا ولدي أجابته الأم، من يقاتل ضد من .. ولماذا هذا القتال.

أجلس يا ولدي سأتحدث إليك بالتفصيل..

يدور الآن قتالاً بين رجال قريتنا ورجال قرية مجاورة .. والسبب في هذا القتال يعود إلى ان أحد أفراد قريتنا في لحظة غضب  اثناء الشجار أقدم على قتل أحد سكان القرية المجاورة ..

لذا قررت هذه القرية التي فقدت أحد افرادها على يد أحد سكان قريتنا بالانتقام، والأخذ بالثأر من أهل قريتنا، هذا تقليد قديم في ريفنا .. ولماذا الإنتقام؟ .. نفدت الوساطة الفعلية يا ولدي وكما قلت لك يوجد مفهوم الثأر بين القبائل .. فكل قبيلة تأخذ بثارها لفقيدها من القاتل اواحد من افراد قبيلته، وذلك عند نفاذ الوساطة دون توصل إلى اتفاق من شأنه ان يضع حداً للثأر. والوساطة، تتلخص بالتوصل إلى حل من خلال إعطاء فدية – مبلغ مالي – لأهل القتيل، وان كان المقتول متزوجاً يتم الإتفاق على منح عائلته قطعة أرض او ما شابه ذلك، وبذلك يتم وضع حد للثأر، وفي هذه الحالة لا حاجة للقتال وتتصافى القلوب.

لكن للأسف وبعد وساطات ومفاوضات استمرت لأعوام لم يتم التوصل إلى اتفاق بين قبيلتي القريتين، الأمر الذي أضطرهم لتحديد موعد القتال في هذا اليوم ، حيث وصل أهل القرية المنكوبة إلى مشارف قريتنا فجراً وبدأوا بأطلاق النار على منازل قريتنا معلنين بذلك بـدء المعركة الانتقامية، معركة الأخذ بالثأر، وجرت العادة أن تدور مثل هذه المعارك على سطح جبل كساد الشاهق الذي يبعد عن قريتنا بضعة كيلومترات، هذا كل ما في الأمر،  ورجال قريتنا الآن يقاتلون رجال تلك القرية دفاعاً عن النفس، وستدور هذه المعركة طيلة اليوم حتى حلول الظلام.  

انا أيضا يا أماه اريد المشاركة في الدفاع عن قريتنا اجاب علي .. ما زلت صغيراً يا ولدي،       ولا يحق لك، وأنا لا اسمح لك بحمل السلاح للأخذ بالثأر، الرجال هم من يقومون بهذه المهمة، باختصار خرج علي من البيت خلسة، وجمع عدد من الفتيان في القرية، والعارفين بجغرافيتها، وتوجهوا إلى مكان المعركة، وتسلقوا جبل كساد حتى وصلوا إلى قمته لمشاهدة أحداث معركة الانتقام.

حل الظلام وانسحب المقاتلون وذهب كل منهم إلي قريته، بالطبع علي لحق وزملاؤه برجال قريتهم، لم تنته المعركة بعد.. اذ يجب إحصاء عدد القتلى وفي حال وصل عدد قتلى قرية القاتل لعـدد مساوي لقتلى القرية المنكوبة تهدأ الأمور، ولــم يعد هناك حاجة للاستمرار في القتال، أما إذا كانت النتيجة العكس، فيتم تحديد موعد أخر لمعركة قادمة وهكذا دواليك إلى ان يتم الأخذ بالثأر للقرية المنكوبة وبذلك من الممكن ان تستمر مثل هذه المعارك إلى مالا نهاية.

 

اخـتـيـار طريــق أخــر للعــودة إلــى عــدن

 

         في إحدى الرحلات الصيفية إلى القرية، استطاع علي واطفال الاسرة الذين قدموا لقضاء الاجازة الصيفية من اقناع عمهم ان لا يكون طريق العودة إلى عدن بنفس الطريق الذي جاءوا منه، والذي يستـغـرق يوم وليله، بل العودة من الناحية الأخرى للريف والتي طريقها أطول واصعب حيث لم تكن طرقها معبدة وتتحرك السيارة على منطقة مملؤة بالحجارة او طرق ترابية، واستغرقت رحلة العودة هذه ستة أيام بالاتجاه شمالاً.

         كان اليوم الأول للرحلـة إلى مدينة البيضاء ثـم إلى مدينة رداع وهناك لا توجد فنادق حينها ولذلك كان المبيت في منزل أمراه تؤجر غـرف فيه وتقدم الطعام للنزلاء ويطلق على  المرآه التي تعمل بهذه الخدمة المقهوية، ثم يوم أخر الى مدينة ذمــار، وكان المبيت           عند المقهوية، ثم يوم أخر إلى مرتفعات سماره الجبلية التي تعانق السحاب وكان المبيت عند المقهوية كذلك.

         وفي اليوم الذي كان فيه الوصول إلى مدينة تعز، نـزل علي وعمـه وبقية الأسرة في فندق، وانطلقوا بعدها إلى مدينة الراهـده واستغرقت الرحلة يوم أخر كان المبيت أيضاً عند المقهوية، وكانت رحلة اليوم الاخير في طريق العودة إلى مدينة عـدن، والجميع في ذلك اليوم كانوا يرددوا الأغنية الشعبية (ياريت عــدن مسير يــوم).  

 

مرحلة الدراسة المتوسطة للأبن الأكبر علي

 

كانت الدراسة في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة بالنسبة لعلي سهلة جداً وبدون تعب وارهاق، لأنه لا ضرورة  للحصول على معدلات عالية في التعليم للانتقال للعام الدراسي الذي يليه. لكن القلق الحقيقي عنده، بدأ في العام الدراسي الثالث والأخير من المرحلة المتوسطة. لان نظام وزارة  التربية يستوجب ان يخضع كل تلاميذ الصف الثالث المتوسط  لامتحان حكومي مركزي، ويتم اختيار الثلاثين الأوائل من التلاميذ، لمواصلة الدراسة في المدرسة الثانوية للتلاميذ المتميزين  والتي كان يطلق عليها (كلية عدن)، وكانت تقع هذه المدرسة في أطراف المدينة المحاذية للمناطق الريفية في حي الشيخ عثمان. أما الثلاثون الذين يلون الثلاثون الأوائل في المعدلات كانوا يتم ارسالـهم  للدراسة في المعهد الفني الثانوي الذي كان يقع في حي المعلا بمنطقة (حافون)، اما الدفعة الثالثة والأخيرة وعددها ستين تلميذ، فكانت تلـتـحـق بثانــويـــة خور مكسر، وما تبقى من التلاميذ الذين جاءوا بالترتيب بعد المجموعات الثلاث لا يعتبروا انهم اجتازوا الامتحانات المطلوبة، فكان عليهم  اما ان يتوقفوا عند هذا الحد من التعليم ويذهبوا إلى سوق العمل او يلتحقوا بمدارس خاصة و التي كانت تدار في أغلب الاحيان اما من قبل الكنائس الكاثوليكية او البروتستانتية الموجودة في المدينة او بمدارس أخرى والتي كانت تدار من قبل الهيئات الوقفية الاسلامية.

شعر علي انه امام مسئولية كبيرة والتزامات جدية في الصف الثالث المتوسط، وان الحمل ثقيل عليه، ويجب عليه اجتياز الامتحان الحكومي في نهاية العام الدراسي ليتابع الدراسة في المرحلة الثانوية وما بعدها.

لذا، اقترح على والده  ضرورة الحصول على دروس خاصة مسائية لتقويته في بعض المواد، ويضمن امكانية الاستمرار في الدراسة في  كلية عدن  للمتميزين، رحب الوالد باقتراح ابنه، والوالد الذي لم يحظ في طفولته بذلك، لا بل لم يدرس في المدارس، انما علم نفسه بنفسه، تعلم ذاتياً الاحرف، وقراءة القران الكريم وقراءة  الشعر، باختصار كان من الحفظة، وحقق كل ذلك بنفسه دون اية مساعدة. لذا كان يطمح  ان يضمن لابنـه  فرصة افضل من فرصته التي لم تكن بالأصل متوفرة، ليكون تحصيل إبنه العلمي أفضل، واستجاب لرغبته، وطلب من علي البحث بنفسه عن مدرس خصوصي.

بدأ علي في البحث عن المدرس الأنسب  من المدرسين الذين يدرسون  في المدرسة أو من خارجها، وبالصدفة علم بوجود مدرس سوداني كان يدرس في المدارس الريفية ومتزوج من  احدى بنات القرية التي عمل مدرساً فيها لكنه عاد منذ فترة وجيزة إلى مدينة عدن، وكان يعطي دروساً  خاصة إلى جانب مهنة التعليم، حيث كان يسكن في الشارع الواقع خلف حارة الطليان، وكان يطلق على هذا الشارع اسم امرؤ القيس رسمياً الا ان الاسم المتداول لدى السكان كان  (حارة الشرطة)  وذلك لوجود كثير من البيوت السكنية العائدة لا فراد الشرطة.

كان اختيار علي موفقاً جداً لان هذا المدرس كان يوصف بالمدرس الشامل                            (أي مدرس لكل المواد) لذا بدأ يدرس  الابن علي  جميع المواد بدون استثناء بما في ذلك اللغة  الانكليزية، الأمر الذي دفع بعلي لاجتياز امتحانات الثالث المتوسط  بامتياز حيث خولته معدلاته ان يكون ضمن السبعة الأوائل من مدرسته الذين سيكونوا جزء من قـائـمـة الثلاثـيـن الذين الـتـحـقـوا من مخـتـلف المناطــق للـدراسـة في كـلـيـة عــدن. 

        

ازدهار وانحسار تجــارة  سعـيـد للخــردة

 

حـقـق سعيد نجاحات منقطعة النظير في مجال تجارة الحديد، ودرت هذه التجارة عليه أموال وفيرة، ادت إلى توسيع تجارته، وكذلك انعكست تجارة الحديد الخردة بالرخاء عليه وعلى أسرته، وعززت من مكانته الإجتماعية في هذه المدينة المتعددة الجنسيات، حيث لم يكن في البداية معروفاً  على الاطلاق، هذا الشاب الفقير القادم من الريف، النائي، وبداية كان يشعر بالوحدة والعزلة والغربة في هذه المدينة الصاخبة، واذا به يصبح من كبار تجارها، ووجهائها، وما زاد من مكانته الإجتماعية هو الكرم الذي أشتهر به  في هذه المدينة، وأصبح منزله قبلة لجميع المحتاجين وكان مضيافاً حيث لا ينقطع الضيوف عن بيته على مدار الساعة، كذلك أشتهر سعيد بتوزيع الصدقات والحسنات بشكل واسع، كما كان يقوم بالدعم المالي للحركات النقابية والسياسية والتي تناهض المستعمر في المحميات البريطانية.

ماذا عن تحضير ابنه علي لممارسة التجارة وهل نجح في هذه المهمة .. بالطبع كان يدفع بعلي (بالرغم من صغره بالسن) للعمل في تجارته، وذلك من خلال الاعتماد عليه في صياغة العقود التجارية باللغة الإنكليزية، أو لنسميها العروض التجارية التي كان يتقدم بها لشراء الحديد الخردة من الشركات او معسكرات الجيش البريطاني، التي كان يعلن عنها بالمناقصة  وبالظرف المختوم – المغلفات المغلقة – وكان يحرص سعيد الا يستعين بموظفيه في إعداد هذه العروض، وإنما كان يفضل الاستعانة بابنه علي لأهمية سرية هذه العروض، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كيلا يطلع او يعلم بها منافسوه في هذا المجال، لذا كان الأب يملي على أبنه العروض التجارية لصياغتها باللغة الانكليزية عشية أخر موعد لتقديمها، وكان يبلغه بأن والدته ستوقظه فجر اليوم التالي لإيداع المغلف المغلق في الصناديق المخصصة للمناقصات قبيل انتهاء  فترة تقديمها – أي قبل بداية الدوام الرسمي لأخر موعد لقبول هذه المناقصات، كذلك كان سعيد يصطحب ابنه في جميع عمليات الشحن والتفريغ للخردة التي فـاز بها عرضه في المناقصات.

بالطبع في الكثير من الأحيان كان يعبر سعيد لإبنه علي عن رغـبـتـه بأن يسير على خطاه في هذا المجال المربح وغير المكلف مقارنة بالحصول على وكالة منتجات آسيوية او غربية كاليابان أو بريطانيا او أمريكا لشق طريقه في مجال التجارة بشكل عام، وكان يستشهـد بالآية القرآنية التي جاءت على ذكـر الحديد فيها، بقوله تعالى: (.... وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ... ). واستمر هذا السجال او هذا الحوار فترة طويلة، لكن للأسف لم يفلح الأب في إقـنـاعـه، لأن الأبـن كان يطمح إلى دراسة الهندسة والعمل مع شركات الاستكشافات، للنفط الذي تخــتـزنه شبه الجزيرة العربية في باطنها. وهذه الثروات الثمينة التي يتم التنقيب عنها، من النفط  والغاز واستخراجهـا.

 في نهاية المطاف اقتنع الوالد بفكرة ولده علي، لمتابـعـة الدراسة وهـذا ما حصل. تخــرج علي ونال شهادة البكالوريوس وأثناء دراسته للحصول على الماجسـتـيــر والدكـتـــوراه، تـوفى والــده مخلفاً ثمانية أبناء وثلاث بنات ونظرا لظروف علي الدراسية بالخارج تعاقب اخوته الثلاثة الذين كانوا بعده بالسن على اخذ الوكالة من الأسرة لإدارة تجارة الوالد والتي تضاءلت وتلاشت.

 عند عـودة علي من دراسـتــه في الخارج عمل علي اسـتـاذاً في جامـعـة عــدن، وتـزوج عـلـويــة ابنـة عـمـه مسعــود وخلــف منها ولــداً وابنــتـيــن ولــه منـهـم أحـفـاد.

 

أنـتـــهــــــى